عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

قاسم المحبشي: كوابيس الإرهاب ومخاطر الخوف والتهديد.. تداعي

كلما سمعت عن جريمة إرهابية في مكان من هذا العالم، أو شاهدت مشاهد القتل التي يرتكبها المتطرفون بحق أناس آمنين لا ذنب لهم سوى أنهم موجودون في المكان الخطأ، أو ينتمون إلى دين أو جماعة أو ثقافة لا تعجب القتلة، عاودتني كوابيس التهديد الإرهابي الذي تعرضت له في عدن، حين كنت نائبًا أكاديميًا لكلية الآداب بجامعة عدن. كأن الذاكرة، مهما ابتعدت المسافات وتبدلت الأمكنة، ترفض أن تمنح صاحبها براءة النسيان. وكأن الرصاص الذي دوّى في صباح السابع والعشرين من مارس 2018 لم يتوقف تمامًا، بل ظل يواصل رحلته في أعماقي، منتظرًا كل خبر إرهابي جديد كي يستيقظ من نومه الثقيل.

لم تكن تجربتي مع الإرهاب حكاية أستعيدها للتأثير في عواطف الآخرين، ولا فصلًا من ماضٍ طواه الزمن، بل تجربة إنسانية قاسية ما زالت آثارها النفسية ترافقني حتى اليوم. فالتهديد الذي يستهدف حياة الإنسان لا ينتهي بالضرورة بانتهاء الحادثة؛ قد يغادر الجناة المكان، لكنهم يتركون وراءهم خوفًا مقيمًا، وأسئلة لا تنام، وشعورًا هشًا بالأمان، كأن الموت الذي لم يقع في لحظته الأولى يظل احتمالًا مفتوحًا في كل لحظة لاحقة.

في صباح ذلك اليوم المحفور في ذاكرتي، دخلت بسيارتي من بوابة كلية الآداب، واتجهت إلى مكتبي كعادتي. لم تمضِ سوى دقائق قليلة على دخولي حتى سمعت إطلاق رصاص كثيفًا من جهة البوابة. ظننت في البداية أنه اشتباك مسلح في شارع الثقافة، كما كانت تحدث أحيانًا في تلك الأيام المضطربة. استمرت لعلعة الرصاص بضع دقائق، ثم خيم هدوء حذر. وبينما كنت أستعد لفتح جهاز الحاسوب المحمول، طرق أحد موظفي إدارة الكلية باب مكتبي مسرعًا، وهو يصرخ: «يا دكتور، هجوم إرهابي على كليتنا!».

خرجت مسرعًا باتجاه البوابة، حيث تجمع الطلاب والموظفون وسكان الحي وعدد من أفراد الشرطة. وهناك سمعت الرواية التي ستظل عالقة في ذاكرتي: سيارة تقل ثلاثة ملثمين وصلت إلى الكلية، وسألوا عني، ثم حاولوا الدخول بالقوة. وحين منعهم حارسا الكلية من فتح البوابة، أطلقوا النار عليهما. كان ذلك اعتداءً على المؤسسة الأكاديمية والعاملين فيها،

في تلك الليلة، أدركت على نحو موجع أن الإنسان قد يجد نفسه فجأة في مواجهة احتمال اختفائه من الحياة، لا لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه اختار أن يفكر ويكتب ويعمل في المجال العام. ومنذ ذلك الحين، لم تعد علاقتي بالخروج من المنزل أو الذهاب إلى العمل كما كانت من قبل. صار السؤال الذي لا أريد أن أطرحه على نفسي حاضرًا في خلفية كل حركة: هل سأعود؟

لم يكن خوفي وليد خيال منفصل عن الواقع. ففي عدن، خلال تلك السنوات، لم تكن تمر أسابيع من دون أن تتردد أخبار الاغتيالات والتفجيرات، وتتحول أسماء الضحايا إلى شواهد على عجز المجتمع عن حماية أفراده. اغتيلت زميلتي الدكتورة نجاة مقبل مع ابنها الوحيد سامح في شقتها يوم 17 مايو 2018، في جريمة صادمة طالت إنسانة ومحيطها العائلي، وتركت جرحًا عميقًا في الوسط الأكاديمي والإنساني. وقبل ذلك، قُتل الشاب عمر ياطويل، ابن السابعة عشرة، في 26 أبريل 2016، في سياق ارتبط باتهامه بالإلحاد. ثم اغتيل أمجد عبد الرحمن محمد، طالب كلية الحقوق بجامعة عدن والناشط المدني الذي أسس نادي الناصية الثقافي، في 14 مايو 2017.

وحين يُقتل شاب بسبب فكرة يُتهم بها، أو يُستهدف أكاديمي بسبب موقفه، أو يُرعب مجتمع كامل لأن جماعة مسلحة قررت أن تفرض عليه تصورها للحياة، فإن الجريمة تتجاوز الضحية المباشرة. إنها محاولة لإعدام مساحة التفكير الحر، وإرغام الأحياء على ممارسة الرقابة على أنفسهم قبل أن يمارسها عليهم القتلة.

بعد ذلك التهديد، غادرت اليمن إلى الخرطوم، وبقيت هناك قرابة عام أعيش في حالة من الحذر والتخفي، خشية المتطرفين واحتمال وصولهم إليّ. ولم يكن الانتقال من مدينة إلى أخرى كافيًا لاستعادة الطمأنينة؛ فالخوف لا يحمل جواز سفر، لكنه يعرف كيف يعبر الحدود مع صاحبه. وقد وجدت نفسي أعيش تجربة الانتظار بكل ما فيها من قلق وترقب، وكأن الإنسان الذي نجا من الخطر الجسدي لا بد أن يخوض معركة أخرى لاستعادة شعوره بأنه ما زال يملك حياته.

واليوم، وأنا أتابع خبر الجريمة الإرهابية التي وقعت في الأردن يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، أعود مرة أخرى إلى تلك الذاكرة. فقد استهدف مسلحون مشيعين خلال جنازة في كنيسة حمود بقرية حمود في محافظة الكرك جنوبي الأردن، وأسفر الهجوم، بحسب ما أعلنته السلطات، عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة عشرات آخرين. وقد وصفت السلطات الأردنية الحادثة بأنها عمل إرهابي نفذه متطرفون، فيما بدأت ملاحقة المسؤولين عنها بحسب (وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، 23 أكتوبر 2026؛ رويترز، 23 أكتوبر 2026).

إن استهداف أناس تجمعوا في مناسبة جنائزية، يفترض أن تكون محكومة بحرمة الموت وكرامة الإنسان، يكشف إلى أي حد يمكن أن ينحدر العنف حين يتحول التطرف إلى منظومة تفكير تنزع عن الآخرين حقهم في الحياة. فحتى الموت، الذي يفترض أن يوقظ في النفوس مشاعر الرحمة والتضامن، لم يسلم من رصاص من لا يرون في الإنسان إلا هوية مختلفة أو هدفًا ينبغي التخلص منه.

والسؤال الذي تثيره هذه الجريمة لا يتوقف عند هوية منفذيها، أو الجهة التي قد ينتمون إليها، أو العقوبة التي يستحقونها. السؤال الأعمق هو: كيف يصل الإنسان إلى اللحظة التي يتخيل فيها أن قتل إنسان آخر يمكن أن يكون فعلًا مشروعًا أو بطولة أو قربانًا لقضية؟ وكيف تتحول الأفكار، حين تُغلق على نفسها أبواب النقد، إلى أدوات لتبرير إراقة الدماء؟

لا يكفي أن نقول إن الإرهاب لا دين له، ثم نغلق باب النقاش. صحيح أن الإرهاب لا يمثل دينًا بأكمله ولا يجوز تحميل جماعة دينية كاملة مسؤولية جرائم المتطرفين، لكن مواجهة الظاهرة تتطلب أيضًا تفكيك خطاب التكفير والتحريض، ومساءلة المؤسسات والأفكار التي تمنح العنف غطاءً أخلاقيًا زائفًا، وتعليم الناس أن الاختلاف ليس جريمة، وأن حرية الاعتقاد والتفكير ليستا منحة تمنحها السلطة أو تسحبها جماعة مسلحة.

لقد كتبت مرارًا عن مخاطر العنف المقدس والتطرف والإرهاب في اليمن، وحذرت من أن انهيار الدولة لا يترك فراغًا أمنيًا فحسب، بل يفتح المجال أمام قوى تحاول احتكار الحقيقة وتحديد من يستحق الحياة ومن يستحق الموت. لم تكن الكتابة بالنسبة إليّ ترفًا أكاديميًا، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية، ومحاولة للدفاع عن فكرة الدولة في وجه الفوضى، وعن القانون في وجه السلاح، وعن الإنسان في وجه الأيديولوجيات التي تتعامل معه بوصفه وسيلة لتحقيق غاياتها.

إن الخوف الذي عشته بعد حادثة كلية الآداب ليس ضعفًا أخجل منه، بل أثر إنساني مفهوم لتجربة هددت حياتي مباشرة. والشجاعة لا تعني أن يتظاهر الإنسان بأنه لا يخاف، وإنما أن يرفض أن يجعل الخوف معيارًا وحيدًا لتحديد ما يقوله وما يفعله. ومع ذلك، لا يجوز أن نطالب ضحايا التهديد بأن يكونوا أبطالًا على مدار الساعة، ثم نتركهم وحدهم في مواجهة آثار العنف. من واجب الدولة والمجتمع توفير الحماية والعدالة والدعم، لا الاكتفاء بتكريم الضحايا بعد فوات الأوان.

فالأمن، في تقديري، ليس مجرد نقاط تفتيش أو دوريات مسلحة، ولا قدرة الأجهزة على ملاحقة الجناة بعد وقوع الجريمة، على أهمية ذلك كله. الأمن هو أن يغادر الإنسان منزله دون أن يتخيل جنازته، وأن يذهب الأستاذ إلى جامعته دون أن يخشى أن يكون اسمه على قائمة اغتيالات، وأن يمارس المواطن شعائره دون أن يتحول مكان عبادته إلى ساحة قتل. الأمن هو حضور الطمأنينة، لا مجرد غياب الرصاص.

ومن هنا، فإن بناء الأمن لا ينفصل عن بناء الدولة والتنمية والعدالة. فحين تنهار المؤسسات، وتتعطل فرص التعليم والعمل، ويُحرم الناس من الخدمات والكرامة، تتسع المساحات التي تستثمر فيها الجماعات المتطرفة اليأس والإحباط. لكن الفقر وحده لا يصنع الإرهاب، كما أن الحرمان لا يحول الإنسان تلقائيًا إلى قاتل؛ إنما تتداخل عوامل سياسية واجتماعية وفكرية، وتصبح أكثر خطورة حين تجد خطابًا يحرض على الكراهية ومؤسسات عاجزة عن حماية المواطنين ومحاسبة المعتدين.

لذلك أكرر ما قلته مرارًا بشأن عدن: إن الحاجة لا تقتصر على ملاحقة الجناة، مع أن ذلك واجب لا يقبل المساومة، بل تمتد إلى بناء منظومة متكاملة لحماية الحياة المدنية، وإقامة دولة قانون تحاسب القاتل مهما كان انتماؤه، وتصون الحريات، وتحمي المؤسسات الأكاديمية والثقافية، وتضمن ألا يصبح اختلاف الإنسان سببًا لاستباحة دمه. فلا أمن بلا عدالة، ولا استقرار بلا مؤسسات تحظى بثقة الناس، ولا تنمية حقيقية في ظل الخوف الدائم.

تهريب الإرهاب.. وحمار جحا!

هنا تحضرني حكاية جحا التي استعادها الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في كتابه «روح الإرهاب». كان جحا يعبر الحدود كل يوم على حمير تحمل أكياسًا، فيفتشها الحراس فلا يجدون شيئًا يستحق المصادرة. واستمر العبور حتى سأله أحدهم، بعد سنوات، عما كان يهرّبه. فأجابه: الحمير!

إن المفارقة الفلسفية في الحكاية هي أن المفتشين انشغلوا بتفتيش الأكياس، بينما ظل الشيء الذي يبحثون عنه أمام أعينهم. وفي قراءة بودريار للإرهاب، تتجاوز المسألة الأدوات الظاهرة إلى منطق أعمق يتعلق بتحدي النظام الرمزي والسياسي، وبكيفية تحويل الموت إلى رسالة تستهدف مجتمعًا أوسع من الضحايا أنفسهم.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: ما السلاح الذي استخدمه الإرهابيون؟ ولا كيف وصلوا إلى المكان؟ بل ما الرسالة التي أرادوا إرسالها عبر الجثث والدماء؟ إنهم يريدون أن يقولوا للناس إن لا مكان آمنًا، وإن لا اختلاف محميًا، وإن الموت قادر على اقتحام البيت والجامعة والشارع ودار العبادة. يريدون أن يجعلوا الخوف سيد الحياة، وأن يدفعوا المجتمع إلى الانقسام والارتياب، وأن يحولوا المواطن من صاحب حق إلى شخص ينتظر مصيره.

لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين فهم الرسالة الإرهابية وتبريرها. ففهم آلياتها ضرورة لمواجهتها، أما منحها أي شرعية أخلاقية فخيانة لضحاياها. والمواجهة الحقيقية لا تكون بتكرار لغة الكراهية ذاتها، ولا بالانتقام الجماعي، ولا بالتضحية بالحريات باسم الأمن؛ لأن ذلك قد يمنح التطرف وقودًا جديدًا، ويحوّل الدولة التي يفترض أن تحمي الإنسان إلى مصدر آخر لخوفه.

إن الإرهاب يريد منا أن نعيش داخل كابوسه حتى بعد أن يغادر القتلة المكان. يريد للرصاصة أن تواصل عملها في الذاكرة، وللجريمة أن تتكرر في مخيلة كل إنسان، وللخوف أن يصبح قانونًا غير مكتوب يحكم سلوكنا. وهذا ما يجعل الدفاع عن الحياة والحرية والمواطنة فعلًا يتجاوز الشعارات إلى بناء مؤسسات قادرة على حماية الناس، وثقافة ترفض التكفير، وتربية تعلم الأجيال أن الإنسان ليس عدوًا لمجرد أنه مختلف.

لهذا، فإن السؤال الذي يطاردني منذ هجوم كلية الآداب لا يزال مفتوحًا: متى يستطيع الإنسان أن يعيش في مدينته دون أن يخشى أن تكون أفكاره سببًا لقتله، أو أن يكون اختلافه حكمًا بالإعدام عليه؟ ومتى تصبح الجامعة مكانًا للمعرفة لا هدفًا للمسلحين، والكنيسة والمسجد مكانين للعبادة لا ساحتين للرعب، والشارع فضاءً للحياة لا ممرًا إلى المجهول؟

إن معركتنا مع الإرهاب ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة معنى الحياة والإنسان وحقه في أن يكون حرًا وآمنًا ومختلفًا. ولن ننتصر فيها بمجرد أن نحصي القتلى أو نطارد الجناة، بل حين نبني عالمًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى الشجاعة كي يمارس حياته العادية.

تكلم حتى أراك، واكتب حتى أعرفك؛ فحين يصبح التفكير تهمة، والكلمة خطرًا، والاختلاف جريمة، لا يكون الإرهاب قد قتل ضحاياه وحدهم، بل يكون قد بدأ باغتيال الحياة في ضمير المجتمع.

***

د. قاسم المحبشي

في المثقف اليوم