أخبار ثقافية

جورج منصور: حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة

عندما يُحتفى بك وبكتابك الجديد "غيمري.. كدّتُ أصبح إماماً" في شارع المتنبي، ذلك الشريان النابض لمدينة بغداد، وأجمل بقاعها على الإطلاق، فإنك تشعر بحق أن الكلمات التي سهرتَ عليها ليالٍ طوالاً، وأعدتَ صياغتها مرات ومرات، قد وجدت أخيراً موطنها الطبيعي ومكانها الحقيقي.

هناك، في ذلك الفضاء العابق بعبق التاريخ، حيث تحتضن رفوف الكتب وجوه القرّاء المتعطشين للمعرفة، وحيث تختلط رائحة الورق العتيق برائحة المطابع الجديدة، وتنبعث من قرب نهر دجلة الخالد نسمات خفيفة تحمل همسات الأجداد، هناك تكتسب الكتابة معنّى آخر مختلفاً تماماً عمّا كانت عليه في غرفة العمل المنعزلة. يتحول الجهد الفردي الذي بذلته في هدأة الليل وسكونه، هناك، إلى لحظة فرح ثقافي جماعي تعانق فيه الأرواح وتتصافح القلوب قبل الأيدي.

في بيت "المدى"، الذي يزخر بالكتب وينبض بالثقافة ويحتضن المثقفين من كل حدب وصوب، لم يكن الاحتفاء مجرد حفل توقيع عابر كتلك الحفلات التي تبدأ وتنتهي دون أن تترك أثراً، بل كان بحق بمثابة شهادة ميلاد جديدة للكتاب، بل لصاحبه أيضاً. فقد خرج الكتاب بها من عزلته الصامتة على أرفف المكتبات ليصافح العيون المتألقة والقلوب المتفتحة.2407 georg

 رأيت بأم عيني وجوهاً أتت بدافع الشغف الحقيقي لا بدعوة رسمية جامدة، ورأيت أصابعاً تقلّب الصفحات بلهفة من يبحث عن كنز ثمين طالما انتظره، ورأيت أسئلةٌ تُطرح بحبٍّ وفضول صادقين ينمّان عن عمق الاهتمام وصدق التلقي. في كل ذلك، كان يتجلى بوضوح معنى أن الكتابة ليست فعلاً فردياً أنانياً كما قد يظن البعض، بل هي علاقة حية ووشيجة متجددة تُبنى جسورها متينة بين الكاتب وقرّائه عبر الكلمات والعبارات.

ذلك الحشد الجميل من التواقين للقراءة والمتعطشين للمعرفة لم يكن مجرد جمهور صامت يملأ القاعة، بل كان بمثابة مرآةً صافية نقية، رأيت فيها بوضوح سنوات التعب المضني، والشكوك الصغيرة التي تراود كل كاتب في خلوته مع نفسه، واللحظات العصيبة التي يتساءل فيها بقلق: هل تصل الحكاية إلى الآخر؟ هل تُلامس قلب أحدهم كما لامست قلبي؟ هل تجد طريقها إلى وجدان من يقرأ؟ وحين ترى كتابك يحيط به هذا الاهتمام الصادق وهذا الحفاء الجميل، تدرك تمام الإدراك أن كتابة السيرة ليست مجرد سرد أناني لماضٍ شخصي عشته وحدك، بل هي جسر يعبره الآخرون ليجدوا شيئاً من ذواتهم في حكايتك، ليكتشفوا في تفاصيلك جزءاً من تفاصيلهم المنسية، ليروا في مرآة تجربتك انعكاساً لتجاربهم هم أيضاً.

الاحتفاء في شارع المتنبي ليس مجاملة عابرة ولا وداعة زائلة، بل هو إشارة عميقة ودلالة واضحة إلى أن للكلمة مكانتها الرفيعة في هذا الوطن، وأن أدب السيرة ما زال قادراً على إثارة الفضول الإنساني، واستعادة الذاكرة الجمعية للأمة، وربط الماضي العريق بالحاضر المعاش بكل تفاصيله. هو حافزٌ قوي ومحفز عظيم لأن أواصل بكل شغف الحفر عميقاً في طبقات الذاكرة المتراكمة، وأن أمنح التفاصيل الصغيرة حقّها المستحق من الضوء والاهتمام. فلطالما أيقنتُ، بعد هذا الاحتفاء المهيب، أن ثمة من ينتظر بفارغ الصبر هذه التفاصيل الدقيقة، ويجد فيها عزاءً أو إلهاماً، أو اعترافاً مشتركاً بالإنسان بكل تجلياته وتجاربه.

إنها لحظة فارقة تقول لك بكل وضوح وجلاء: اكتب. واصل. لا تتوقف. فثمة شارعٌ عريق مازال ينبض بالكتب والحياة، وبيتٌ أصيل يحتفي بالثقافة والمثقفين، ومدينةٌ عظيمة ما تزال تؤمن بأن السيرة الصادقة هي شكلٌ من أشكال المقاومة الجميلة للنسيان، وانتصار باهر على الزوال، وإعلان صارخ بأن الإنسان قادر على ترك بصمته في جدار الزمن مهما كان هذا الجدار قاسياً وشامخاً.

شكراً ل "المدى" على هذا الاحتفاء الجميل، ووعداً بالمواصلة لتقديم الجديد.

***

جورج منصور

في المثقف اليوم