اخترنا لكم

إبراهيم بورشاشن: الحكمة

ظلّت الحكمة منذ القديم مطلباً إنسانياً عميقاً، وكانت المجتمعات البشرية تُقدّمها وتفتخر بحكمائها، فتُسوِّدهم سيادة فعلية حين تضع أزمة قيادتها بين أيديهم، أو سيادة رمزية حين تجعل أعنّة عقولها في سداد بصيرتهم. ولم ينقطع تضوّع أريج الحكمة عبر الزمان، ولا تزال إلى اليوم مطلباً عند أصحاب النّظر من قادة السياسة والفكر.

احتفى القرآن الكريم بالحكمة، وتردّدت أجراس حروفها في كثير من آياته مشيرةً إلى معاني الخُلق والعلم، لكن لعلّ أهمّ مدح قرآني للحكمة في الإشارة إلى الاستئثار الإلهي بها، وقرنها بالخير الكثير: {ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا} [البقرة]، وقرن الحكمة بالخير الكثير لأجل أن يُرغّب فيها ويجعلها مطلباً عزيزاً تُشدُّ إليه رحال أهل الحج من البشر. ولعله لهذا السبب، وإدراكاً من الفلاسفة وكبار المفكرين لنبل الحكمة وشرفها بنوا لها بيتاً وسكنوا فيه، فمنذ أن تردّد اسم الحكمة عند اليونان في المدرسة الفيثاغورسية وصاحبها فيثاغورس الذي رأى أن الحكمة خاصة بالإله، ولا يمكن منازعتها له، خاصة بعد أن عاش أزمة الأعداد الصماء، فكانت قولته الشهيرة أنا لست حكيماً، فالحكمة تنسب للإله، إنما أنا محب للحكمة، أي فيلوصوفوس، ليجترح اسماً لهذا الفكر النظري الذي اخترعه اليونان وسارت بقافلته ركبان الفلاسفة عبر العصور حتى زماننا الحاضر. لنجد الفلسفة وقد حققت إنجازات نظرية وعملية مذهلة.

قعد اليونانيون الفلسفة في إطار نسق نظري وجعلوا المنطق مدخلاً له، باعتباره الآلة التي تمكّن العقل من تمييز الصواب من الخطأ، ثم قسّموها إلى حكمة نظرية وحكمة عملية، الحكمة النظرية هي ذلك النظام المعرفي المكوّن من الرياضيات والعلم الطبيعي والإلهيات، وخصيصتها الكبرى أنها عارية عن العمل، فالحكمة النظرية تُعلم ولا يعمل بها، أما الحكمة العملية فهي ذلك النّظام المعرفي المكوّن من الأخلاق والسياسة وتدبير المنزل، وخصيصتها الكبرى أنها متعلّقة تعلّقاً كبيراً بالعمل والممارسة. وقد ظلّت الحكمة العملية تهتدي بنبراس الحكمة النظرية، خاصة إذا سلمنا مع بعض المفكرين أن الحكمة العملية ما هي إلا نتاج عملي للفكر النّظري في الوجود والابستمولوجيا.

لقد كانت الحكمة قبل اليونان حكمة عملية خاضعة لمقتضيات العقل العملي فقط، وكان الإسهام الأكبر للعقل الإغريقي هو هذا التجريد النظري الذي أسس «العقل النظري» والذي لا تزال البشرية اليوم تقطف من ثماره خاصة مع الرياضيات، التي تعتبر المحرك المعرفي الأول لكل تقدم معرفي ممكن.

لم يفتأ الفلاسفة يلهجون بالحكمة منذ «فيثاغوروس»، ومع «سقراط» الذي قرنها بالاعتراف بالجهل. لنجد لها مساراً غنياً في تاريخ الفلسفة، حيث ربطها «هيوم» بالتّواضع والإقرار بحدود العقل البشري. وجعل «اسبينوزا» الحكيم من يعيش مع النّاس وفق العقل. وجعلها «استورت مل» في الإصغاء لكل صوت، وعدم الاقتصار على المعرفة من القضية بجانب واحد منها. وجعلها «راسل» في التكيف مع العالم دون ذوبان الذات فيه. وجعلها «آينشتاين» مرتبطة بالحركية الدائمة لإدراك الحقيقة وثمرة لها.

وكان لفلاسفة الإسلام قول في الحكمة فاعتبرها «ابن رشد» «العلم بالأشياء على ما هي عليه، والقدرة على استعمال هذا العلم في خيرات الناس». وجعلها «ابن سينا»، من قبله، «استكمال النفس الإنسانية بتصوّر الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية». وجعل «الفارابي»، من قبلهما، «غاية الحكمة أن تصير النّفس عالمة بحدود الأشياء ومراتبها، عاملة بما يحقق كمالها». وجعلها ابن مسكويه «رأس الفضائل لأنها تُهذِّب النّفس وتدلّ على حدود الخير والشر».

وهكذا كانت الحكمة ضالّة الإنسان عبر التاريخ، وبقيت النّبراس المتّقد الذي ينير الّليالي المدلهمّات بعقول الحكماء من خيار قادة السّياسة والفكر.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 8 يناير 2026 23:45

في المثقف اليوم