قراءة نقدية في ملف الأفلام الغنائية والموسيقية للعدد 26 من مجلة (السينمائي)
صدر ببغداد العدد السادس والعشرون من مجلة (السينمائي) التي تُعنى بشؤون السينما محليًا وعربيًا وعالميًا. وقد تضمن العدد الجديد 25 مقالًا وتغطية بضمنها مواد الأبواب الثابتة. ونظرًا لأهمية (ملف العدد) الذي يتمحور على (الأفلام الموسيقية والغنائية) قررنا أن نتوقف عند المقالات النقدية العشر التي يتكوّن منها الملف ونحللها بعمق ودقة كما دأبنا في الأعداد السابقة لكي نقدّم مادة نقدية تنأى بنفسها عن العروض التقليدية للمجلات الشهرية والفصلية.
1- متى يصبح الفيلم غنائيًا؟
كتب رئيس التحرير عبدالعليم البناء افتتاحية الملف التي جاءت تحت عنوان (الأفلام الغنائية والموسيقية) وتتبع شقّيها العالمي والعراقي مُركزًا على أهميتها الجمالية وتوظيفها للموسيقى والغناء كعنصر داخل الحبكة والهيكل المعماري للقصة السينمائية. يعود بنا البنّاء إلى الإستوديو الأميركي (وارنر برذرز) الذي أنتجَ فيلمًا يتضمن فقرات غنائية عام 1926 ثم فوز (ذا برودي مولدي) بجائزة الأوسكار في العام نفسه (1929)، لتبدأ بعده المنافسة الشرسة في إنتاج الأفلام الغنائية حيث أُنتج في عام 1930 وحده قرابة 100 فيلم موسيقي وسوف يتغير عالم الأفلام الموسيقية في عام 1939حينما أنجز المخرجان فكتور فليمنغ وكنغ فيدور فيلم (الساحر أوز). كما يتوقف البنّاء عند أربعة أفلام عراقية أُنجزت بين عامي 1963 و 2020 وهي على التوالي (بصرة ساعة 11)، (عروس الفرات)، (إرحموني) و(إلى بغداد) وهي تجربة فقيرة إذا ما قيست بالشقيقة الكبرى مصر التي أنجزت لوحدها أكثر من 420 فيلمًا موسيقيًا وغنائيًا. ويختم افتتاحيته بالتطلع إلى إنتاج أفلام عراقية جديدة تنال إعجاب النقاد والمشاهدين العراقيين على حدٍ سواء.
2- شروط الفيلم الغنائي
خصّ كاتب هذه السطور مجلة (السينمائي) بمقال يحمل عنوان (عناصر الفيلم الغنائي العراقي.. "إرحموني" أنموذجًا). واعتمدت فيه على المعايير الثلاثة التي احتكم إليها الباحث اللبناني فكتور سحّاب في كتابة الموسوم (أضواء على السينما الغنائية العربية 1932-1960) الصادر عن دار نلسن. وهذه المعاييررهي كالآتي: (أن يتجاوز عدد الأغنيات في الفيلم الأربع أو الخمس أغنيات. وأن يضم الفيلم بين ممثليه وممثلاته مغنيين ومغنيات محترفين في مجال الغناء. وأن تكون ألحان الأغاني في الفيلم مُؤلفة من قِبل مُلحِّنين مُحترِفين). ومن يقرأ المقال سيكتشف دون لأي أنّ عدد الأغنيات هي أكثر من خمس، وأن بين ممثليه وممثلاثه مغنين وملحنين محترفين وهما الفنان رضا علي والفنانة هيفاء حسين. فلا غرابة أن يعد هذا الفيلم غنائيًا بامتياز.
3 - جاذبية السرد أم هيمنة النجم المطرب؟
يقسِّم أ.د. ماهر مجيد ابراهيم مقاله الموسوم (الفيلم الغنائي: جدلية السرد والاستعراض في الفن السينمائي) إلى أربعة أقسام رئيسة وهي: فيلم النجم المطرب، والفيلم الغنائي السردي، والفيلم الغنائي الاستعراضي، والفيلم الغنائي الأوبرالي. فهو يرى أن (فيلم النجم المطرب) يقوم على قوة حضور المطرب وهمينته الكاملة بوصفه محور العمل الفني ومصدر الجذب الرئيس فيه؛ فالقصة والأحداث تدور حول أغانيه ومواقفه العاطفية والنفسية الأمر الذي يُضعف البنية الدرامية للفيلم، ويصبح السرد البصري أقل أهمية أمام حضور النجم وأدائه الغنائي ويسوق ثلاثة أمثلة على فيلم النجم المطرب Singer-Star Film أبرزها فيلم (اِرحموني) 1958 إخراج حيدر العمر، بطولة رضا علي وهيفاء حسين (اللذين لم يضعفا من سردية الفيلم وبنيته المعمارية، كما أرى، على الرغم من نجوميتهما الواضحة). ويضيف إليهما فيلم (مع الفجر) 1964 للمطرب فاروق هلال، إخراج عبد الجبار العبيدي، وفيلم (العودة إلى الريف) 1963 للمطرب داخل حسن، إخراج فالح عبد العزيز.
أمّا الفيلم الغنائي السردي Narrative Musical Film فيقوم على ثلاثة عناصر وهي: البناء الدرامي، والسرد البصري، وبنائية الأغنية ويسمّيها عناصر تآزرية أساسية في الشكل الفيلمي ولا تظهر الأغاني بوصفها مجرد فواصل ترفيهية أو حركات راقصة مغناة. فالأغنية جزء من السرد وتسهم في تقديم الأحداث والتعبير عن المشاعر والأفكار وتساهم في تطور الشخصيات.
فيما ينظر الدكتور ماهر إلى الفيلم الغنائي الاستعراضي Spectacle Musical Film كعنصر أساسي في بناء الأحداث وتقديم الأفكار، وليس مجرد وسيلة للترفيه. ويتميز بكثافة الاستعراضات والمعالجة البصرية من خلال حركة الكاميرا والإضاءة والمونتاج والأزياء.
وفيما يتعلق بالفيلم الغنائي الأوبرالي Through-Sung Musical Film فهو يعتمد على الحوار المغنّى والموسيقى المستمرة في جميع مشاهده، بحيث تصبح الموسيقى جزءًا أساسيًا من السرد وليست مجرد فواصل غنائية. وخلاصة هذه الأنواع الفلمية الأربعة أن الموسيقى والغناء يصبحان جزءًا من السرد وركنًا أساسيًا من أركان البناء المعماري للحبكة والقصة السينمائية.
4 - ساحر أوز وقيمة الوطن
يرى الدكتور صالح الصحن في مقاله ("ساحر أوز".. الوطن أجمل مكان في الوجود) أن قوة هذا الفيلم تكمن في انتقاله البصري من واقعية كانساس بالأبيض والأسود إلى عالم أوز الساحر بالألوان، وفي جمال الديكورات والأزياء والمجاميع الغنائية والاستعراضية. كما يبرز رحلة دوروثي وأصدقائها بوصفها رحلة لاكتشاف الشجاعة والعقل والقلب وقيمة الوطن، مع الإشادة بأداء جودي غارلاند وبالموسيقى، ولا سيما (فوق قوس قزح). لقد رسَخ هذا الفيلم في ذاكرة المتلقين مذ عُرض عام 1939 وخطف الأبصار والقلوب. ولكي نلامس الثيمات الرئيسة والفرعية في هذا الفيلم لا بد لنا أن نقدّم خلاصته ونقول بأنّ فيلم (ساحر أوز) هو فيلم غنائي يتمحور حول دوروثي؛ الفتاة التي تعيش في مزرعة بكانساس مع خالها هنري وخالتها (إم) Em وكلبها توتو. تحملها عاصفة إعصارية إلى أرض أوز الساحرة، حيث تلتقي بالفزّاعة ورجل القصدير والأسد الجبان، وينطلق الأربعة في رحلة إلى مدينة أوز لمقابلة الساحر العظيم. فكل واحد من رفاقها يعتقد أنه ينقصه شيء؛ فالفزّاعة تريد العقل، ورجل القصدير يبتغي القلب، والأسد يطمح إلى الشجاعة، بينما تبحث دوروثي عن طريق العودة إلى وطنها. وغالبًا ما تُختصر ثيمة هذا الفيلم بأنها قصة عن الصداقة والشجاعة واكتشاف قيمة ما نملكه وهو الوطن الذي يرد في خاتمة الفيلم بجملة مؤثرة تعلق في الأذهان (ليس هناك مكان مثل الوطن) (There’s no place like home).
5 - الصوت في قلب الصورة
يرصد الدكتور سالم شدهان في بحثه الموسوم عددًا من (المقاربات الاشتغالية للسينما الغنائية)، وفي هذا السياق، يعرض مجموعة من المقاربات التي تتناول هذا النوع السينمائي الواسع، الذي يضم أفلامًا متعددة، من بينها الأعمال التي تتناول حياة المطربين والموسيقيين، والأفلام الاستعراضية، والأعمال التي يؤدي فيها المطرب دور البطولة ويشارك بالغناء ضمن أحداث الفيلم. وقد ارتبط ظهور هذا النوع بدخول الصوت إلى السينما عام 1927، مع فيلم (مغنّي الجاز) للمخرج آلان كروسلاند، الذي مثّل محطة مهمة في توظيف الصوت والموسيقى والغناء بوصفها عناصر أساسية في البناء السينمائي.
وتطورت هذه التجربة لاحقًا لتبرز الأفلام الاستعراضية القائمة على توظيف الرقص والموسيقى والتصميم البصري، ومن أبرز نماذجها فيلم (الغناء تحت المطر) للمخرجين جين كيلي وستانلي دونن، وفيلم (قصة الحي الغربي) للمخرجين روبرت وايز وجيروم روبنز، فضلًا عن فيلم (لا لا لاند) للمخرج ديميان تشازل. كما امتدّ هذا الاشتغال إلى الأفلام المقتبسة من المسرحيات الغنائية، ومن أبرزها فيلم (صوت الموسيقى) للمخرج روبرت وايز.
ويؤكد هذا التنوع قدرة هذا النوع من الأفلام على الجمع بين الدراما والموسيقى والغناء والاستعراض ضمن بنية فنية متكاملة. كما أسهم نجاح هذه الأعمال جماهيريًا ونقديًا، وحضورها في المهرجانات العالمية، في ترسيخ مكانتها وتحفيز صنّاع السينما على الاستمرار في إنتاجها وإعادة تقديم بعض نماذجها، بما يؤكد أهميتها وتأثيرها في تاريخ الفن السينمائي.
6- ذاكرة الفيلم الغنائي العراقي
يستعرض الناقد والمؤرخ السينمائي مهدي عبّاس في مقاله المعنون (فيلموغرافيا الفيلم الغنائي العراقي) ويتوقف عند 12 فيلمًا غنائيًا تبدأ بـ (وردة) 1957 إخراج يحيى فائق وتنتهي بفيلم (إلى بغداد) 2020 للمخرج أنور الياسري علمًا بأن رصيد السينما العراقية تجاوز الـ 300 فيلم خلال ثمانين عامًا لكن عدد الأفلام الغنائية قليل جدًا ولم يتجاوز عدد أصابع اليدين إلّا بشق الأنفس. وغالبًا ما يكون ظهور مطرب أو مطربة في بطولة هذا الفيلم أو ذاك سببًا لتسميته بالغنائي حتى لو كانت أغنية واحدة مثل ظهور الفنان ياس خضر كضيف شرف في فيلم (الجزاء) 1970 أو ظهور الفنان فاضل عواد في الفيلم اللبناني (الأخرس والحُب) بأغنية (لا خبر). لا يمكن تقديم ملخصات الأفلام الاثني عشر لأنها تحتاج إلى مساحة كبيرة وسنكتفي بالتوقف عند أربعة منها وأول هذه الأفلام الغنائية هو (وردة) 1957 إخراج يحيى فائق الذي يدور حول قصة حُب رومانسية غنّت فيه بطلة الفيلم الفنانة هيفاء حسين مجموعة من أغانيها بصوتها العذب. وثاني هذه الأفلام الغنائية هو (إرحموني) 1958 إخراج حيدر العمر الذي تتمحور قصته حول سعدية؛ فتاة ريفية ساذجة يستغلها إبراهيم ويغرِّر بها، فتهرب من أهلها خوفًا من الفضيحة، وتلجأ إلى ملحن موهوب وتنشأ بينهما قصة حب تفتح أمامها طريقًا لحياة جديدة. قدّم المطربان رضا علي وهيفاء حسين عددًا من الأغاني في هذا الفيلم. أمّا الفيلمان الأخيرنان فهما (حمد وحمود) 1986 للمخرج ابراهيم جلال الذي يتناول قصة أخوين يقعان في حب فتاة واحدة، ويتنافسان على لفت نظرها بالغناء والمواقف الكوميدية، قبل أن تنتهي المنافسة بتضحية أحدهما من أجل الآخر. ويقوم بالبطولة الفنانان حسين نعمة وأحمد نعمة، ويقدِّمان عددًا من الأغاني والأوبريتات.
أمّا الفيلم الرابع والأخير فهو (إلى بغداد) 2020 إخراج أنور الياسري وتستند قصة الفيلم إلى واقعة حقيقية تدور حول شاب عراقي يواجه ظروفًا صعبة ويسعى إلى حماية أسرته من الأخطار التي تهددها. وُتسند بطولة هذا الفيلم إلى المطرب ستار سعد، الفائز ببرنامج ستار أكاديمي، مُقدمًا عددًا من أغانيه المعروفة.
7 - تكامل الحواس
يُطالعنا الناقد السينمائي علاء المفرجي بمقال جميل يحمل عنوان (الأفلام الموسيقية والغنائية.. تجربة بصرية وسمعية متكاملة)، يخلص فيه إلى أن الأفلام الموسيقية تُعدّ من أبرز الأنواع السينمائية التي جمعت فنونًا مختلفة في عمل واحد، إذ تمتزج فيها الدراما بالموسيقى والغناء والرقص لتقديم تجربة فنية متكاملة. وقد غدت الموسيقى عنصرًا أساسيًا في بناء الأحداث والتعبير عن مشاعر الشخصيات، فيما تسهم الأغاني والاستعراضات الراقصة في تطوير الحبكة وإبراز أبعادها النفسية والعاطفية. ويرى المفرجي أن الموسيقى ليست عنصرًا مكمّلًا للفيلم، بل جزء أساسي من سرده الفني، بما يضفي عليه حيوية وتأثيرًا كبيرين.
لا يورد المفرجي أمثلة عن أفلام غنائية عراقية، وإنما يستشهد بأفلام عالمية وعربية فقط. فعلى الصعيد العالمي، يتوقف عند عدد من الأفلام التي ستتكرر الإشارة إلى بعضها لدى نقاد آخرين في هذا الملف، منها (صوت الموسيقى) لروبرت وايز، و(الغناء تحت المطر) لجيني كيلي وستانلي دونن، و(رقصة الحي الغربي) لروبرت وايز وجيروم روبنز، و(سيدتي الجميلة) لجورج كيوكر. ثم يشير إلى ثلاثة أفلام من العقود الأخيرة، هي (شيكاغو) لروب مارشال، و(لا لا لاند) لداميان تشازيل، و(أعظم رجل استعراضي) لمايكل غرايسي، التي يرى أنها جذبت ملايين المشاهدين إلى عوالمها الساحرة.
كما يستعرض عددًا من الأفلام العربية التي قام ببطولتها نجوم الغناء العربي، أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، ومن أبرزها (الوردة البيضاء) من إخراج محمد كريم، و(لحن الخلود) لهنري بركات، و(حكاية حب) لحلمي حليم. ويرجع الإقبال على هذه الأفلام إلى قدرتها على تقديم تجربة ترفيهية متكاملة تجمع بين المشاهدة والاستماع، فضلًا عن التكامل بين الصوت والصورة والحركة، بما يمزج الترفيه بالتعبير الفني.
ويختم المفرجي بالإشارة إلى أن حقب الأربعينيات والخمسينيات والستينيات التي شهدت ازدهارًا كبيرًا للفيلم الموسيقي لكنّ هذا النوع بدأ ينحسر ويفقد بريقه تدريجيًا في سبعينيات القرن الماضي، مع اتجاه الجمهور إلى أفلام الأكشن والخيال العلمي والدراما الواقعية. كما أن إنتاج الأفلام الموسيقية والغنائية يتطلب ميزانيات مرتفعة جدًا وجهدًا كبيرًا في تصميم الرقصات وتسجيل وتنفيذ المَشاهد التي يفرضها هذا النوع السينمائي.
8 - حين تروي الأغنية
لا يختلف مقال الدكتور علي حنّون المعنون (الأغنية كمرتكز للسرد السينمائي) عن بقية المقالات النقدية التي ترى في الأغنية جزءًا أساسيًا من السرد السينمائي يتجاوز دورها التزويقي لتسهم في بناء الأحداث وتطور الشخصيات وعلاقاتها بالزمان والمكان. وهي تتفاعل مع الصورة والكاميرا والمونتاج والحركة والإيقاع، لتتحول إلى لغة سردية موازية للحوار.
في فيلم (معبودة الجماهير) 1967 للمخرج حلمي رفلة تؤدي أغنية (جبار) وظيفة سردية واضحة، إذ تختزل زمنًا طويلًا من التحولات العاطفية والنفسية وتطوّر العلاقة بين الشخصيات، إلى جانب التحولات الفنية والاجتماعية. ويسهم المونتاج وتبدّل الأمكنة والحالات الشعورية في جعل الأغنية جسرًا يصل مراحل متعددة من الحكاية.
وفي أفلام مثل (لا لا لاند) لداميان تشازيل و(صوت الموسيقى) لروبرت وايز ، تتحول الأغنية إلى وسيلة للتعبير عن الأحلام والانكسارات والعلاقات، وقد تصبح امتدادًا للحوار حين تعجز الكلمات عن نقل ما في داخل الشخصية.
لذلك يرى حنّون أنَّ اختيار الأغنية قرار درامي لا موسيقي فقط؛ فكلماتها وإيقاعها وطريقة توظيفها يجب أن تنسجم مع الحدث والشخصية والمكان. ومع تطور تقنيات السينما الحديثة، أصبحت الأغنية تُخطط أحيانًا منذ كتابة السيناريو، لتتداخل مع الصورة والمونتاج والإيقاع.
يؤمن حنّون بأنَّ نجاح الأغنية في الفيلم مرهون بقدرتها على خدمة الدراما. وعندما تصبح جزءًا من السيناريو، فإنها لا تعود مجرد صوت يُسمع، بل حدثًا يُروى وأداة لصناعة المعنى؛ فهي لا توقف الحدث، بل تدفعه إلى الأمام، وتمنح الفيلم ذاكرة لا تُرى بالعين فقط، بل تُسمع بالقلب أيضًا.
9- هوليوود وبوليوود
يسهب الناقد السينمائي رضا الأعرجي في مقاله الطويل والمعزّز بأسماء كثيرة لا تبقى في ذاكرة القارئ طويلًا ولا يتذكرها بعد الانتهاء من القراءة مباشرة وكان بالإمكان اختصار هذا المقال إلى صفحتين ليصبح مُركّزًا بما فيه الكفاية فالعبرة ليس بعدد الصفحات وإنما بكثافة المادة التي تضرب في الصميم. لا شك في أنَّ العنوان واضح ولا لَبِس فيه فهو يقول بصراحة (الهند الأكثر غزارة.. وهوليوود في المقدمة) ويعضّد هذا العنوان الرئيس بالقول: (الأفلام الموسيقية.. متعة إضفاء المعنى على الغناء والرقص) أي أن يُصبحا مادة سردية وجزءًا من نسيج النص السينمائي وحبكته السردية وهذا ما أكدت عليه الدراسات النقدية العشر بما فيها (مقدمة الملف) للصديق المشترك عبدالعليم البناء، رئيس تحرير المجلة. يشير الأعرجي إلى أنّ الموسيقى تُعد عنصرًا أساسيًا في السينما لما تمتلكه من قدرة على التعبير عن المشاعر والأحاسيس وإضفاء المعنى على الصورة. غير أن الفيلم الموسيقي يختلف عن الأفلام التي تستعمل الموسيقى التصويرية، إذ ينبع الغناء والرقص فيه من الشخصيات ويصبح جزءًا من الحدث والسرد، كما في فيلم (الغناء تحت المطر) 1952. ويضيف الأعرجي بأنَّ الفيلم الموسيقي يتميز بقدرته على التعبير المباشر عن المشاعر من خلال الغناء والرقص، متجاوزًا أحيانًا منطق السرد الواقعي، إذ يخاطب المؤدون المُشاهدَ مباشرة، فتتحول الموسيقى إلى لغة تعبيرية موازية للصورة والحوار. وهذا ما أكدّ عليه غالبية نقاد هذا العدد فالموسيقى والرقص والاستعراض ليست فواصل ترفيهية للمتلقي لأنها تتحول إلى لغة تعبيرية موازية للصور والحوار والسرد الكلامي.
يرى الأعرجي بأن هوليوود قد نجحت في ترسيخ هذا النوع من السينما الناطقة، وهو محق جدًا فيما ذهب إليه، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققهُ فيلم (مغنّي الجاز) عام 1927 والذي أسهم بشكل كبير في ترسيخ الفيلم الموسيقي كأحد الأنواع الأساسية وبرز فيه عدد من النجوم نذكر منهم فريد أستير، جينجر روجرز وجودي غارلاند. كما قدم مخرجون مثل إرنست لوبيتش وباز لورمان تجارب بارزة في هذا المجال. أما الهند، فهي إلى جانب الولايات المتحدة، الدولة التي أرست تقليدًا راسخًا للأفلام الموسيقية، بل تُعد الأكثر غزارة فيها. كما يتوقف الأعرجي عند تجارب مهمة لرينيه كلير وجاك ديمي. ومع تطور السينما، اتخذ الفيلم الموسيقي أشكالًا جديدة أكثر جرأة بصريًا، كما في (تومي) و(كل هذا الجاز)، مؤكدًا قدرته على تحويل الموسيقى إلى لغة سينمائية قائمة بذاتها لا تختلف عن السرد والحوار وبقية معطيات البنية الدرامية للفيلم السينمائي.
10 - الموسيقى تصنع المعنى
يختم الشاعر والناقد الموسيقي علي عبد الأمير عجام ملف العدد بمقال شديد الأهمية انضوى تحت عنوان (الفيلم الغنائي.. مزيج الابهار والتشويق والتسلية) أشار في مستهله إلى أنَّ حضور الفيلم الغنائي والموسيقي في العراق فقير ومحدود جدًا على الرغم من غنى بلاد الرافدين بتقاليدها الغنائية والموسيقية. ويرجع ذلك، من وجة نظر عجام، إلى ضعف الإمكانات الإنتاجية والتقنية ولا سيما تقنيات الصوت والتسجيل بينما رسّخت السينما المصرية هذا النوع بفضل عمق الموسيقى في الثقافة المصرية، وتراكم الخبرات السينمائية، والانفتاح الاجتماعي على الحداثة. وفي القسم الثاني من المقال يتناول عجام فيلم «أماديوس» لميلوش فورمان، الذي لا يكتفي بتقديم سيرة موتسارت، بل يجعل الموسيقى جزءًا أساسيًا من البناء الدرامي. فقد نجح الفيلم في دمج أعمال موتسارت الموسيقية مع صراعه النفسي والإنساني مع سالييري، لتصبح الموسيقى وسيلة للسرد والتعبير عن العبقرية والحسد والمأساة. وتبلغ هذه المعالجة ذروتها في المشاهد الأخيرة، حين يرافق (القداس الجنائزي) موتسارت إلى مثواه المجهول، في واحدة من أكثر اللحظات السينمائية تأثيرًا، مؤكدة قدرة الموسيقى على أن تتحول من عنصر جمالي إلى قوة درامية تصنع المعنى إلى الدرجة التي يمكن فيها القول إنَّ الفيلم لا يروي قصة موتسارت بالكلمات والصور فقط وإنما يرويها من خلال موسيقاه التي أصبحت جزء من الفعل الدرامي ذاته.
مسك الخِتام
تكشف قراءة المقالات العشر أن ملف (الأفلام الغنائية والموسيقية) في العدد السادس والعشرين من (السينمائي) قد نجح في فتح مساحة للنقاش حول نوع سينمائي ظل حضوره في النقد العراقي محدودًا قياسًا إلى أهميته وتاريخه الذي يعود إلى أواخر الخمسينات من القرن الماضي ونعني به فيلم (وردة) الذي أنجز عام 1957.
وقد اتفق غالبية النقاد وكُتّاب المقالات على أن الأغنية لا ينبغي أن تكون فاصلًا ترفيهيًا يوقف الحكاية، وإنما عنصرًا قادرًا على دفعها وتطوير الشخصيات والكشف عن مشاعرها الداخلية وصناعة معناها. غير أن تكرار هذه الفكرة في أكثر من مقال كان يحتاج إلى تنويع أكبر في مستويات التحليل، والانتقال من إثبات الوظيفة السردية للأغنية إلى تحليل كيفية اشتغالها داخل المشهد.
أما التجربة العراقية، فتظل الحلقة الأكثر إثارة للأسئلة. فالعراق الذي يمتلك تراثًا غنائيًا وموسيقيًا غنيًا لم يستطع، طوال عقود، أن يؤسس تقليدًا سينمائيًا غنائيًا مستمرًا. ولا يبدو نقص المواهب هو التفسير الوحيد؛ فثمة عوامل إنتاجية وتقنية وصناعية وثقافية أسهمت مجتمعةً في هذا الحضور المحدود واللافت للانتباه.
ولذلك فإن قيمة الملف لا تكمن في استعادة أفلام غنائية من الماضي أو استعراض تجارب عالمية ناجحة فحسب، وإنما في أن يضع أمام السينمائي العراقي سؤالًا يستحق أن يبقى مفتوحًا مُفاده: متى تستطيع الأغنية العراقية أن تغادر خشبة المسرح والميكروفون لتدخل في عمق الصورة، وتصبح جزءًا من الحكاية، لا مجرد صوت يرافقها؟ فحين تغنّي الصورة حقًا، لا تعود الموسيقى زينةً أو تزويقًا مقصودًا للفيلم، وإنما تصبح واحدة من تقنياته السردية وركنًا من أركان بنائه المعماري الأصيل.
***
لندن: عدنان حسين أحمد








