عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

فارس حامد: الريل في الوجدان العراقي

حين تحوّل القطار إلى قصيدة من حنين

ثمة أشياء في حياة الشعوب تتجاوز وظيفتها المادية، فتتحول إلى رموز تختزن الذاكرة والمشاعر والتاريخ. فالنهر ليس ماءً يجري فحسب، والنخلة ليست شجرةً تثمر، والبيت القديم ليس جدرانًا وسقفًا؛ إنها جميعًا أوعية للذاكرة، تحفظ شيئًا من حياة الناس وأحلامهم وأفراحهم وأحزانهم.

وفي الوجدان العراقي، يحتلّ «الريل» مكانةً خاصة؛ فهو ليس مجرد قطار يشقّ الأرض على قضبان حديدية، بل حكاية امتزج فيها الحب بالفراق، وأحلام السفر بمرارة الغياب، وأصوات المحطات بذكريات لا تزال تسكن القلوب، حتى بعد أن ابتعد أصحابها وتغيّرت الأزمنة.

فلماذا ألهم الريل الشعراء والأدباء العراقيين، وأصبح حاضرًا في الذاكرة الشعبية إلى هذا الحد؟

أولًا: لأنه نقل العراقي من عالم إلى عالم

لم يكن القطار مجرد وسيلة تختصر المسافة بين بغداد والبصرة أو بين بغداد والموصل، بل كان نافذةً على عالم جديد.

فقد قرّب المدن، وربط الريف بالمدينة، وأتاح للناس أن يروا أنماطًا مختلفة من الحياة، وأن يتعرفوا إلى وجوه وعادات وتجارب لم يألفوها من قبل.

وبالنسبة إلى مجتمع كانت فيه الرحلة تستغرق وقتًا طويلًا، أصبح القطار علامةً على الانتقال من حياة مألوفة إلى حياة أخرى، ومن مكان مستقر إلى مستقبل مجهول.

ثانيًا: لأن محطة القطار مسرح إنساني مكتمل

في المحطة تجتمع مشاعر متناقضة: فرحة اللقاء، ومرارة الوداع، وقلق الانتظار، وأمل العودة.

فيها أمّ تودّع ابنها، وعاشق يرقب حبيبته، وطالب يغادر مدينته، وعامل يبحث عن رزقه، ومسافر يحمل أحلامه في حقيبة صغيرة.

وجوه كثيرة، وحكايات متباينة، تجمعها لحظة انتظار، ثم يفرّق بينها قطار لا يعرف التردد ولا يلتفت إلى الدموع.

ولهذا وجد الأديب في القطار مادةً غنية للشعر والسرد؛ فهو لا ينقل المسافرين وحدهم، بل يحمل حكاياتهم ومصائرهم أيضًا.

ثالثًا: لأن الريل دخل الوجدان الشعبي من باب الحب المستحيل

لعلّ أبرز مثال على ذلك قصيدة مظفّر النواب «للريل وحمد»، التي ازدادت رسوخًا في الذاكرة العراقية بصوت ياس خضر وألحان محمد جواد أموري.

في هذه الأغنية، لا يقف القطار خلفيةً لحكاية عاطفية، بل يصبح طرفًا في المأساة نفسها.

يمضي حاملًا معه الحبيبة، بينما يبقى العاشق أسير الحسرة والذكرى.

وهنا تكمن براعة الصورة الشعرية: القطار يمتلك حرية الحركة، أما العاشق فتقيّده ظروف الحياة وأعراف المجتمع.

وبين حركة القطار وعجز الإنسان يتولد ذلك التوتر الذي يمنح الحكاية قوتها العاطفية.

رابعًا: لأن الريل جمع بين الحداثة وقسوة الواقع الاجتماعي

دخل القطار حياة العراقيين في مرحلة كانت فيها التقاليد العائلية والعشائرية تفرض قيودًا على كثير من العلاقات الإنسانية.

فأصبح السفر أحيانًا فرصةً للابتعاد عن واقع لا يستطيع الإنسان تغييره، أو بدايةً لحياة مختلفة.

ومن هنا يمكن قراءة «للريل وحمد» بوصفها أكثر من قصة غرام؛ فهي تفتح بابًا للتأمل في حرية الاختيار، وسلطة الأعراف، وثمن الحب حين يصطدم بالواقع الاجتماعي.

خامسًا: لأن الريل يشبه الحياة العراقية في حركتها ومفارقاتها

في القطار تتجاور الفئات الاجتماعية، وتختلط اللهجات، وتتقاطع المصائر. وهو يمضي على سكة محددة، مثلما يجد الإنسان نفسه أحيانًا محكومًا بظروف لم يخترها.

وقد اكتسبت هذه الصورة عمقًا إضافيًا بفعل تجارب الفقد والغربة والاضطراب الاجتماعي؛ فصار الرحيل في الشعر والغناء أوسع من سفر بين مدينتين، وأصبح تعبيرًا عن الابتعاد عن حبيب أو وطن أو زمن مضى ولم يعد.

 سادسًا: لأن اللهجة العراقية والموسيقى منحتاه حياةً أخرى

ليس القطار وحده هو سرّ هذه المكانة، بل اجتماع ثلاثة عناصر: البيئة الاجتماعية التي منحته حكاياتها، واللهجة العراقية التي أضفت عليه حميمية المكان، والموسيقى الشجية التي حملت تلك الحكايات من جيل إلى جيل. فكلمة «الريل» نفسها تحمل نكهة عراقية مألوفة، تستدعي صور المحطات والحقائب والوجوه المنتظرة.

حين يصبح صفير القطار صوتًا للذاكرة

لعلّ الريل يشبه الحياة نفسها؛ يمضي على سكة مرسومة، وتتوالى محطاته، ويلتقي في طريقه وجوهًا تترك أثرًا ثم تختفي.

بعض المسافرين ينزلون في محطاتهم ويواصلون حياتهم، وبعضهم يرحل ولا يعود، فيما يبقى آخرون يستعيدون لحظة الوداع كأنها حدثت بالأمس.

إننا، حين نستعيد الريل في الشعر والغناء العراقيين، لا نستعيد وسيلة نقل قديمة فحسب، بل نستعيد شيئًا من حياة العراق، ومن حكايات أهله، ومن زمن كانت فيه للمسافات هيبتها، وللرسائل انتظارها، وللوداع طقوسه، وللعودة فرحتها الخاصة.

فالريل لا يبكي، ولكن العراقيين أودعوه دموعهم؛ ولا يعرف الحب، ولكنهم جعلوه شاهدًا على قصص حبهم.

وهكذا تحوّل القطار من آلة تمضي على قضبان الحديد إلى قصيدة تمضي على قضبان الذاكرة؛ كلما سمعنا صفيرها، عاد إلينا شيء من الذين رحلوا، ومن الأزمنة التي مضت، ومن الأحلام التي بقيت تنتظر عند محطة بعيدة.

فبعض القطارات تصل إلى نهاياتها، أما قطارات الحنين، فتبقى في داخلنا تمضي… ولا تصل.

القصيدة

للريل وحمد

مظفر النواب

"على ماء الصبح أحبته.. على ماء الليل، كان للهجر قمر، ومر قطار"

مرّينه بيكم حمد، واحنه ابغطار الليل واسمعنه، دگ اگهوه... وشمينه ريحة هيل

يا ريل.. صيح ابقهر.. صيحة عشگ، يا ريل هودر هواهم، ولك، حدر السنابل گطه

يا بو محابس شذر، يلشاد خزامات

 يا ريل باللّه.. ابغنج من تجزي بام شامات ولا تمشي.. مشية هجر..

گلبي.. بعد ما مات وهودر هواهم، ولك، حدر السنابل گطه

جيزي المحطة.. بحزن.. وونين.. يَفراگين ما ونسونه، ابعشگهم.. عيب تتونسين يا ريل.. چيّم حزن.. اهل الهوى، امچيمين وهودر هواهم، ولك، حدر السنابل گطه

يا ريل، طلعوا دغش.. والعشگ چذابي دگ بيّه كل العمر.. ما يطفه عطابي نتوالف ويه الدرب، وترابك.. ترابي وهودر هواهم، ولك.. حدر السنابل گطه

أنه ارد الوگ الحمد.. ما لوگن لغيره يجفّلني برد الصبح.. وتلجلج الليره يا ريل باول زغرنه.. لعبنه طفيره وهودر هواهم، ولك.. حدر السنابل گطه

چن حمد.. فضة عرس.. چن حمد نرگيله مدگگ بمي الشذر، ومشلّه اشليله يا ريل.. ثكل يبويه.. وخل أناغيله، يمكن أناغي بحزن منغه.. ويحن الگطه

أرد اشري جنجل والبس الليل خزامه وارسم بدمع الضحچ نجمه وهوه وشامه ويا حلوه بين النجم طباگة لحزامه وهودر هواهم ولك.. حدر السنابل گطه

گضبة دفو يا نهد لملمك.. برد الصبح ويرجفنّك، فراگين الهوه.. يا سرح يا ريل.. لا.. لا تفزّزهن.. تهيج الجرح خليهن يهودرن.. حدر الحراير گطه

جن گذلتك.. والشمس.. والهوه.. هلهوله شلايل بريسم.. والبريسم إلك سوله واذري ذهب يا مشط يلخلگ.. اشطوله! بطول الشعر.. والهوى البارد.. ينيم الگطه

تَو العيون امتلن.. ضحچات.. وسواليف ونهودي زمّن.. والطيور الزغيره.. تزيف يا ريل.. سيّس هوانه، وما إله مجاذيف وهودر هواهم، ولك.. حدر السنابل گطه.

ختامة المسك: حين غنّى الريل وجع العراقيين

لقد استطاع مظفر النواب أن يجعل من القطار شاهدًا على حكاية حبّ موجعة، وأن يحوّل صفيره إلى صوت للغياب، وحركته إلى صورة للفراق، حتى غدا الريل في مخيلة العراقيين أكثر من قطار؛ صار حكاية عاشق، ودمعة حبيبة، وذكرى لا تنطفئ.

ومنذ أن شقّت هذه الأغنية طريقها إلى القلوب، لم يعد صفير الريل صوتًا عابرًا في فضاء المحطات؛ صار نداءً يستدعي زمنًا مضى، ووجوهًا غابت، وأحلامًا لم تبلغ نهاياتها.

وربما لهذا السبب ظلّت القصيدة حيّةً في وجدان أجيال لم تعش زمن حكايتها؛ لأن الحزن الصادق لا يحتاج إلى معرفة أصحاب الحكاية، والحب حين يتحوّل إلى فنّ يصبح ملكًا لكل من عرف الشوق والفراق.

***

فارس حامد عبد الكريم

في المثقف اليوم