ستيفن ورد ومفارقات الحقيقة الصحفية
لا ينظر ستيفن ج. أ. ورد- الفيلسوف المتخصص في أخلاقيات الصحافة- إلى الصحافة باعتبارها مجرد مهنة تنقل الأخبار، بل باعتبارها ممارسة أخلاقية تتحمل مسؤولية أخلاقية ومعرفية تجاه الجمهور. وتنبع أهمية أفكاره من أنه لا يكتفي بالسؤال عن صحة الخبر، وإنما يفتح سؤالًا أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث حين تكون المعلومات التي تصل إلينا صحيحة في تفاصيلها، لكنها تقودنا إلى فهم مضلل للواقع؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ فليس كل ما نراه هو الحقيقة كاملة، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُصدق، حتى لو بدا مقنعًا ومدعومًا بالصور والأرقام والشهادات.
لم يحدث من قبل أن امتلك الإنسان العادي هذه القدرة على الوصول إلى الأخبار ومقاطع الفيديو والتعليقات في لحظات. في الماضي كان نقص المعلومات يشكل مشكلة، أما اليوم فقد أصبحت كثرتها هي التي تشكل المشكلة. نستيقظ كل يوم على سيل من الأخبار، وننتقل من واقعة إلى أخرى، ونشاهد صورًا لم نكن نحلم برؤيتها، ثم نذهب إلى النوم ونحن نشعر بأننا عرفنا الكثير. لكن هل عرفنا فعلًا؟ قد يكون ما حدث أننا استقبلنا معلومات أكثر مما نستطيع فحصه، وأصدرنا أحكامًا أسرع مما يسمح به الفهم. المفارقة أن الإنسان الذي كان يخشى ألا تصله الحقيقة، أصبح معرضًا لأن تضيع الحقيقة أمام عينيه وسط هذه الكمية الهائلة من المعلومات. ولذا يمكن أن نعرف "كل شيء" (بمعنى استهلاك كم هائل من المعلومات) ونظل مخدوعين تماماً. بل إن خداعنا في هذا العصر أصبح أسهل وأكثر فتكاً، ليس بسبب نقص المعلومات، بل بسبب "الوهم المعرفي" الذي تخلقه هذه الكثرة، وبسبب تحول الخداع من "تلفيق الحقائق" إلى توظيف الحقائق الجزئية لخدمة روايات مضللة.
يمكن أن تُنشر صورة حقيقية من دون سياقها، أو يُقتطع تصريح صحيح من حديث طويل، أو يُختار عنوان يجعل القارئ يفهم الواقعة على نحو لم يقصده مضمونها. لم تُزوَّر الصورة بالضرورة، ولم تُختلق العبارة، ومع ذلك تغير المعنى. هنا لا يعود السؤال: هل هذه الصورة حقيقية؟ فقط، بل يصبح: ماذا تقول الصورة فعلًا، وماذا أخفت طريقة عرضها؟
فالحقيقة الصحفية ليست مجرد أجزاء صحيحة متفرقة، وإنما تتوقف أيضًا على العلاقة التي تربط هذه الأجزاء بسياقها. وقد تكون المعلومات صحيحة في ذاتها، لكنها تنتج انطباعًا كاذبًا حين تُعرض بطريقة تحجب ما يمنحها معناها. بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة دائمًا في عدم الوصول إلى الخبر، بل قد تكمن في الطريقة التي نفهمه بها بعد فصله عن سياقه. ويمكن وصف هذه الحالة بأنها حقيقة مشوهة في أثرها، لا لأنها كاذبة بالضرورة، بل لأنها تقود المتلقي إلى استنتاج مضلل.
تساعدنا فكرة "الموضوعية البراجماتية" عند ستيفن ورد على فهم هذه المشكلة. فالموضوعية لا تتحقق بمجرد نقل المعلومات أو عرض روايات الأطراف المختلفة، وإنما تتطلب فحص الأدلة واختبار التفسيرات والانفتاح على المراجعة والتصحيح. وانطلاقًا من هذا التصور، لا يكفي أن يسأل الصحفي عما إذا كانت الصورة حقيقية، بل ينبغي أن يفحص مصدرها وسياقها، وأن يختبر التفسير الذي تُقدَّم من خلاله للجمهور. وهذا التطبيق المعاصر لفكرة ورد ينقل الصحفي من مجرد نقل الوقائع إلى فحص المعنى الذي تنتجه، من دون أن يعني ذلك أن كل سؤال من هذه الأسئلة صياغة مباشرة له.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: قد يكون الاعتراف بالخطأ أقرب إلى الموضوعية من الإصرار على صورة مثالية لصحفي لا يخطئ أبدًا.فالموضوعية لا تعني ادعاء العصمة، بل تعني الاعتراف بإمكان الخطأ، والاستعداد لمراجعته، واتخاذ الإجراءات التي تحد من تكراره.
وتزداد المشكلة تعقيدًا حين ننتقل من سؤال الحقيقة إلى سؤال المسؤولية. فالصحفي يستطيع أن ينشر معلومة صحيحة، لكنه قد يضر بإنسان إذا كشف تفاصيل خاصة لا تقتضيها المصلحة العامة. وقد يلتزم الصمت بدعوى حماية الخصوصية، لكنه يحرم الجمهور من معرفة أمر يمس سلامته أو حقوقه. لذلك لا يقدم مبدأ "النشر المسؤول" حلًا آليًا يصلح لكل حالة؛ إنه يفرض موازنة صعبة بين حق الجمهور في المعرفة، وحق الأفراد في الخصوصية، واحتمال الضرر، والقيمة العامة للمعلومة. وقد تكون المعضلة الأخلاقية الحقيقية أن كلا القرارين يحمل كلفة، وأن الامتناع عن الاختيار ليس دائمًا براءة من المسؤولية.
لكن الصحافة لا تعمل في فراغ أخلاقي؛ إنها تعمل تحت ضغط الوقت والمنافسة والرغبة في أن تكون أول من ينشر. وهنا تنشأ مفارقة السرعة: كلما ازدادت قيمة السبق الصحفي، أصبح التمهل في التحقق أكثر كلفة، مع أنه قد يكون أكثر ضرورة. يستطيع موقع صحفي أن يسبق الجميع بخبر غير مكتمل، فيحصد ملايين المشاهدات، بينما لا يحظى تصحيح الخطأ لاحقًا بعُشر الاهتمام الذي حظي به الخبر الأول. وهكذا يمكن للمعلومة الخاطئة أن تنتشر بسرعة، بينما يظل تصحيحها يحاول اللحاق بها. ولا تتعلق المشكلة بخطأ صحفي عابر فحسب، بل ببيئة قد تكافئ سرعة النشر على حساب جودة المعرفة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد التحدي مقتصرًا على خبر كاذب يكتبه شخص، أو صورة معدلة يمكن اكتشاف آثار التعديل فيها. أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع فيديو مرئية تبدو مقنعة، مع أنها لا تسجل واقعة حدثت بالفعل. هنا تنقلب العلاقة المألوفة بين الرؤية والمعرفة: فلم تعد الصورة وحدها كافية لتصديق ما نراه. وتزداد مسؤولية الصحفي في التحقق من المصدر والأصل والسياق، لأن الأدوات الجديدة قد تنتج محتوى مقنعًا، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن نشره؛ هذه المسؤولية تظل على عاتق من يختار استخدامه وتقديمه للجمهور.
ولا تتوقف المشكلة عند قدرة التكنولوجيا على إنتاج مشاهد زائفة، بل تمتد إلى الطريقة التي يستقبل بها الجمهور هذه المشاهد. فقد يظن المتلقي أن وضوح الصورة دليل على صدقها، مع أن القدرة على إنتاج المشهد لا تثبت وقوعه. كما أن الخوارزميات قد تعزز تحيزات قائمة بالفعل، حين تقدم للمستخدم محتوى يوافق اهتماماته وقناعاته، فتجعله أقل تعرضًا لما يناقضها.
لكن مسؤولية المتلقي لا تتعلق بالخوارزميات وحدها؛ إنها تتصل أيضًا برغبتنا في تصديق ما يوافق أحكامنا السابقة. فكثيرًا ما نستقبل الأخبار بعقول كوّنت مواقفها مسبقًا، فنمنح الخبر الذي يؤيدها ثقتنا قبل أن نفحصه، ونبحث عن عيوب الخبر الذي يناقضها قبل أن نفهمه. وقد نرفض معلومة صحيحة لأنها لا توافق ما نريد تصديقه، ثم نشارك معلومة مشكوكًا فيها لأنها تمنحنا شعورًا بالانتصار. عندئذ لا يكون التضليل مجرد كذبة نجح أحدهم في تمريرها إلينا؛ فقد نكون قد ساعدناها على الانتشار، لا لأننا نجهل الحقيقة بالضرورة، بل لأن الحقيقة قد تطلب منا التراجع عن حكم أحببناه. وهنا تبرز أهمية التواضع المعرفي، أي الاستعداد لمراجعة معتقداتنا في ضوء الأدلة، حتى عندما تكون المراجعة مؤلمة نفسيًّا.
وقد يبدو أن الحل هو استعادة الثقة في الصحافة، لكن الثقة نفسها تحتاج إلى فحص. فهل نثق في المؤسسة التي لا تعترف بأخطائها، أم في المؤسسة التي تكشف كيف تحققت من معلوماتها، وتوضح حدود ما تعرفه، وتصحح ما ثبت خطؤه؟ وفقًا للمنظور الأخلاقي الذي تدافع عنه أفكار ورد، لا ينبغي أن تقوم الثقة على صورة العصمة، بل على ممارسات يمكن مساءلتها. فالصحافة لا تصبح جديرة بالثقة لمجرد إعلانها ذلك، وإنما من خلال الأدلة التي تستند إليها، والشفافية التي تتيح للجمهور فهم عملها، والطريقة التي تتعامل بها مع أخطائها. والاعتراف بالخطأ لا يمحو الضرر الذي سببه، لكنه يتيح إمكانية استعادة المصداقية بدلًا من مضاعفة الخطأ بإنكاره.
وتظهر هنا أهمية التمييز بين المصلحة العامة وما يجذب اهتمام الجمهور. فليس كل ما يثير الفضول نافعًا للناس، وليس كل ما يحقق المشاهدات يؤدي وظيفة صحفية ذات قيمة. قد تنتشر تفاصيل الحياة الخاصة لأنها مثيرة، بينما لا يجد تقرير دقيق عن مشكلة تمس حياة الناس من يتوقف عنده. وقد يصبح عدد النقرات معيارًا للنجاح، مع أنه لا يخبرنا إن كان الجمهور قد فهم شيئًا، أو إن كانت المعلومة قد ساعدته على اتخاذ قرار أفضل. فالتفاعل يكشف شيئًا عن الانتباه، لكنه لا يكفي وحده للحكم على القيمة المعرفية للخبر أو أهميته العامة.
ولا تعني دعوة ستيفن ورد إلى التفكير في "أخلاقيات الصحافة العالمية" أن جميع المجتمعات متطابقة في تجاربها، أو أن اختلافاتها الثقافية يمكن تجاهله. المقصود هو البحث عن مبادئ مهنية وأخلاقية قادرة على حماية الوظيفة الأساسية للصحافة عبر الحدود، مثل التحقق والإنصاف والمسؤولية واحترام الإنسان وخدمة المصلحة العامة. فاختلاف المجتمعات لا يجعل كل ممارسة مقبولة، كما أن الاتفاق على مبادئ عامة لا يعفينا من فهم السياقات الخاصة. ويكمن التحدي الأخلاقي في الحفاظ على أرضية مشتركة من دون تحويلها إلى وصفة جامدة تتجاهل اختلاف الظروف.
وربما تكمن إحدى أهم مفارقات الصحافة المعاصرة في أن الأدوات التي جعلت النشر متاحًا للجميع لم تجعل التحقق متاحًا بالسهولة نفسها. صار بإمكان أي شخص أن ينشر أي شيء في ثوانٍ، لكن القدرة على النشر ليست هي القدرة على التثبت، كما أن امتلاك منصة لا يعني امتلاك المعرفة أو الحقيقة. ومع تراجع الحدود بين الصحفي وصانع المحتوى والمستخدم العادي، تزداد الحاجة إلى التمييز بين من يكتفي بإثارة الانتباه ومن يتحمل مسؤولية ما يضعه أمام الناس. ولا يعني ذلك إعفاء الجمهور من التفكير النقدي، بل يعني أيضًا ألا نتذرع بمسؤوليته لنعفي المؤسسات الصحفية من واجب التحقق، وهي التي تمتلك الخبرة والأدوات والقدرة على التأثير في نطاق أوسع.
لكن ثمة جانبًا آخر من أزمة الحقيقة لا يتعلق بالصحفي وحده، بل بالقارئ الذي يطلب منه التحقق. فنحن لا نستقبل الأخبار دائمًا بعقول تنتظر الدليل؛ كثيرًا ما نستقبلها بأحكام سبق أن كوّناها، فنمنح الخبر الذي يؤيدها ثقتنا قبل أن نفحصه، ونبحث عن عيوب الخبر الذي يناقضها قبل أن نفهمه. وقد نرفض معلومة صحيحة لأنها لا توافق ما نريد تصديقه، ثم نشارك معلومة مشكوكًا فيها لأنها تمنحنا شعورًا بالانتصار. عندئذ لا يكون التضليل مجرد كذبة نجح أحدهم في تمريرها إلينا؛ فقد نكون قد ساعدناها على الانتشار، لا لأننا نجهل الحقيقة بالضرورة، بل لأن الحقيقة أحيانًا تطلب منا أن نتراجع عن حكم أحببناه. وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة:
هل نريد من الصحافة أن تخبرنا بما حدث فعلًا، أم نريدها أن تمنحنا أدلة إضافية على أننا كنا على صواب؟
لا يسألنا ستيفن ورد فقط كيف نجعل الصحافة أكثر التزامًا بقواعدها، بل يدفعنا إلى إعادة النظر في معنى المعرفة التي تصل إلينا عبرها. فربما لم تعد المشكلة الكبرى أن الخبر غائب، وإنما أن الخبر حاضر بكثافة إلى حد يجعل التمييز بين المعلومة والدليل، وبين الصورة والواقعة، وبين الانتشار والأهمية، مهمة شاقة. ولهذا لا يكون السؤال: كم خبرًا قرأنا اليوم؟ بل: كم خبرًا فهمنا، وكم حكمًا راجعنا، وكم مرة قاومنا إغراء التصديق السريع؟ إن الصحافة التي تستحق ثقتنا ليست التي تملأ يومنا بالأخبار، بل التي تساعدنا على ألا نخلط بين كثرة ما نرى وعمق ما نعرف. الصحافة التي تستحق البقاء في هذا العصر ليست تلك التي تسابق الزمن في النشر، بل تلك التي تتحمل كلفة "التروي"، وتقدم للجمهور ليس مجرد "أخبار"، بل "أدوات للتفكير النقدي" وخرائط معرفية تساعدهم على التمييز بين ضجيج العالم وعمق الحقيقة.
فهل نعيش عصرًا أصبحت فيه الحقيقة أقرب إلينا من أي وقت مضى، أم عصرًا أصبح فيه خداعنا أسهل لأننا نظن أننا رأينا كل شيء؟.
أ.د/ هدى محمد عبد الرحمن جاب الله
استاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة
كلية الاداب جامعة الفيوم








