مدخل: ميشيل أونفراي ليس مجرد فيلسوف فرنسي ثار على الميتافيزيقا التقليدية، ولا مجرد كاتب مثير للجدل جعل الإلحاد موضوعًا متكررًا في أعماله. بل هو، قبل كل شيء، مشروع فلسفي يهدف إلى إعادة الفلسفة إلى المكانة التي هجرتها، في رأيه، منذ أن أصبحت خطابًا مجردًا، منفصلًا عن الجسد والحياة والرغبة ومصير البشرية اليومي. ومن هنا تكمن أهمية أونفراي فهو لا يكتفي بالتساؤل عن حقيقة الفلسفة، بل يتساءل أيضًا عن فن العيش. لا يكتفي بالسؤال: "ما هو الإنسان؟"، بل يضيف: "كيف يمكن للإنسان أن يجعل وجوده أقل اغترابًا وأكثر إشباعًا؟ وكيف يمكن تحويل الفكر من مجرد معرفة جامدة إلى ممارسة وجودية؟
إن قراءة أونفري تأويليًا تكشف أن مشروعه الفلسفي يتحرك داخل توتر مركزي بين الحياة والمثال، الجسد والروح، الرغبة والزهد، الأرض والمفارقة، الفرد والمؤسسة. ولذلك فإن فلسفته لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجموعة مواقف متفرقة من الدين أو السياسة أو الأخلاق، بل باعتبارها محاولة لبناء أنطولوجيا مادية للحياة؛ أنطولوجيا تنطلق من الجسد لا من الماهية المفارقة، ومن التجربة لا من العالم المتعالي، ومن الإنسان الملموس لا من الإنسان المجرد.
وقد اختار أونفري لنفسه موقعًا فلسفيًا شديد الخصوصية داخل المشهد الفرنسي المعاصر. فهو يستعيد في آن واحد ظلال أبيقور، وسبينوزا، ونيتشه، وبعض تقاليد المادية القديمة والحديثة، ثم يعيد تركيبها في مشروع يسميه أحيانًا المادية الحسية واللذة الفلسفية والحكمة الدنيوية. وليس المقصود باللذة عنده انغماسًا مبتذلًا في الاستهلاك، وإنما تحرير الحياة من أنظمة المنع والقمع التي تجعل الجسد مذنبًا والرغبة موضع شبهة والإنسان مدينًا دائمًا بمصيره إلى قوة تتجاوزه.
من هنا يمكن فهم كتابه نظرية الجسد العاشق: من أجل إيروس شمسي بوصفه محاولة لتغيير زاوية النظر إلى الإنسان. فالجسد، في المنظور الذي يقترحه أونفري، ليس عائقًا أمام الروح، وإنما هو شرط ظهور الذات نفسها. نحن لا نمتلك جسدًا كما نمتلك شيئًا خارجيًا؛ نحن، إلى حد بعيد، أجساد تتألم وتشتهي وتفرح وتخاف وتتذكر. ولهذا فإن أي فلسفة تتجاهل الجسد إنما تخاطر بتحويل الإنسان إلى مجرد فكرة عن الإنسان. 1
وهنا يقترب أونفري، وإن بطريقته الخاصة، من الدرس النيتشوي: لا تبدأ الفلسفة من السماء، بل من الأرض؛ لا تبدأ من الروح المفترضة، بل من الحياة التي تتجسد في الإنسان. وإذا كان نيتشه قد قلب العلاقة التقليدية بين الجسد والروح، فإن أونفري يحاول أن يمنح هذا الانقلاب امتدادًا أخلاقيًا واجتماعيًا معاصرًا.
إن السؤال الذي يوجه مشروعه يمكن صياغته هكذا: كيف يمكن بناء أخلاق لا تجعل من الحياة ذنبًا؟ وهذه المسألة هي قلب فلسفته تقريبًا. فالإنسان، عند أونفري، يحتاج إلى أخلاق، لكن ليس إلى أخلاق تنكر الحياة. يحتاج إلى قيم، لكن ليس إلى قيم تجعل من الجسد ساحة للعقاب. يحتاج إلى معنى، لكن ليس إلى معنى يُفرض عليه من خارج وجوده.
ومن هذه الزاوية تظهر فلسفة أونفري باعتبارها فلسفة العيش الحسن. غير أن العيش الحسن لا يعني السعادة الساذجة ولا الاستمتاع الاستهلاكي. إنه يعني امتلاك القدرة على بناء علاقة أكثر انسجامًا مع الذات والجسد والزمن والآخر. ولهذا يستعيد أونفري بصورة واضحة الإرث الأبيقوري؛ فالفلسفة عند أبيقور لم تكن تمرينًا ذهنيًا منفصلًا عن الحياة، بل علاجًا للقلق والخوف والموت والوهم. وهذه الفكرة تجد عند أونفري صياغة حديثة: الفلسفة ليست زينة ثقافية، بل يمكن أن تكون فنًا لمقاومة البؤس الوجودي.
ومن هنا نفهم لماذا يحتل مفهوم المتعة مكانًا مركزيًا في فلسفته. فالمتعة ليست نقيضًا للأخلاق، كما تفترض بعض التقاليد الزهدية، وإنما يمكن أن تكون موضوعًا لإيتيقا عقلانية. والمتعة التي يدافع عنها أونفري ليست لذة عمياء؛ إنها لذة واعية بحدود الجسد والزمن والآخر. ولذلك يفضل أن نتحدث عن هندسة اللذة بدل إطلاق العنان للرغبة بلا حدود.
إن هذه النقطة مهمة جدًا في فهم أونفري؛ لأنه كثيرًا ما يُختزل في صورة "الفيلسوف اللذّي"، وكأن مشروعه لا يتجاوز الدفاع عن المتعة. لكن هذا الاختزال يفوّت البعد الفلسفي العميق في مشروعه. فالمسألة ليست أن نستمتع فحسب، بل أن نعرف كيف نرغب، وماذا نرغب، وبأي ثمن، وعلى حساب من، وتحت أي شروط. إن اللذة تصبح فلسفية حين تدخل في دائرة الوعي والمسؤولية والتدبير.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم نقده للمسيحية في رسالة في الإلحاد، حيث يذهب إلى مساءلة البنية الأخلاقية والميتافيزيقية التي يرى أنها جعلت من الحياة الأرضية مرحلةً أدنى قياسًا إلى عالم مفارق. 2 ولا ينبغي قراءة هذا النقد باعتباره مجرد رفض ديني، بل بوصفه صراعًا حول تأويل الإنسان: هل الإنسان كائن مكتفٍ بأرضه وجسده وزمنه، أم هو كائن لا يكتمل إلا بالإحالة إلى عالم آخر؟
إن أونفري يختار الاحتمال الأول، وهو ما يجعل إلحاده جزءًا من أنطولوجيته لا مجرد موقف اعتقادي. فالإلحاد عنده لا يعني فقط نفي وجود الله، بل يعني أيضًا إعادة ترتيب مركز الثقل في الوجود: من السماء إلى الأرض، ومن المتعالي إلى المحايث، ومن الوعد الأخروي إلى مسؤولية الحياة الحاضرة.
وهنا تلتقي فلسفته مع بعض الدروس التي يمكن استعادتها من سبينوزا. فسبينوزا، في قراءته الوجودية للطبيعة والإنسان، يرفض تصور الإنسان باعتباره مملكة مستقلة داخل مملكة الطبيعة، ويجعل الفهم شرطًا للتحرر من العبودية الانفعالية. ومن الممكن أن نرى عند أونفري صدىً معاصرًا لهذا النزوع إلى المحايثة، وإن كان أونفري أكثر راديكالية في نقده للأديان وأكثر التصاقًا بالتاريخ الثقافي والسياسي الفرنسي.
أما علاقته بنيتشه 3 فهي أكثر وضوحًا. فنيتشه هو أحد الأسلاف الأكثر حضورًا في مشروعه: نقد الأخلاق الزهدية، الاحتفاء بالجسد، تفكيك القيم الموروثة، مساءلة المسيحية، والبحث عن أخلاق تؤكد الحياة بدل أن تعاقبها. غير أن أونفري لا يكرر نيتشه، وإنما يحاول أن يجعل منه مدخلًا إلى فلسفة شعبية ومجتمعية تستطيع مخاطبة الإنسان المعاصر خارج النخبة الأكاديمية المغلقة.
وهنا تبرز إحدى سمات مشروعه الأكثر إثارة: الديمقراطية الفلسفية. فالفلسفة عنده لا ينبغي أن تبقى حكرًا على الجامعة. ولذلك ارتبط اسمه بتجربة "الجامعة الشعبية" في أرجنتان، حيث جعل الدرس الفلسفي متاحًا خارج المؤسسات الأكاديمية التقليدية. هذه التجربة ليست تفصيلًا هامشيًا في مساره، بل هي جزء من تصوره لوظيفة الفلسفة: إعادة الفكر إلى المجال العمومي، وإعادة الاعتبار إلى المواطن القادر على التفكير.
إن الجامعة الشعبية، بهذا المعنى، ليست مجرد مؤسسة تعليمية بديلة، وإنما هي إعلان عن تصور مختلف للفيلسوف. فالفيلسوف لا يكون فيلسوفًا لأنه يحمل لقبًا أكاديميًا فحسب، بل لأنه يمارس التفكير في المجال العمومي ويضع المعرفة في خدمة بناء الإنسان. وفي هذه النقطة يمكن أن نقرأ أونفري باعتباره امتدادًا، بطريقة ما، للتقليد القديم الذي كان يرى في الفلسفة طريقة حياة.
إن هذا البعد العمومي يجعل مشروعه قريبًا من سؤال فلسفي بالغ الأهمية: ماذا بقي للفيلسوف في زمن تحولت فيه المعرفة إلى صناعة، والثقافة إلى سوق، والسياسة إلى إدارة للرأي العام؟ أونفري يجيب عمليًا بأن وظيفة الفيلسوف ليست التكيف مع هذا الوضع، بل مقاومته؛ أن يحافظ على المسافة النقدية، وأن يزعج المسلمات، وأن يفضح ما يبدو طبيعيًا، وأن يعيد صياغة الأسئلة التي تحاول الأيديولوجيات إغلاقها.
ولهذا كان أونفري شديد الاهتمام أيضًا بتاريخ الأفكار المهمشة والمنسية. ففي مشروعه الكبير مضاد تاريخ الفلسفة يحاول إعادة كتابة تاريخ الفلسفة من زاوية أخرى، بحيث لا يبقى التاريخ الفلسفي حكرًا على السردية التي تمنح الأولوية للمثالية والميتافيزيقا والتقاليد المسيحية. إنه يبحث عن الفلاسفة الذين تم إبعادهم من المركز، وعن المذاهب التي جرى التعامل معها باعتبارها هوامش.
وهنا يصبح "المضاد" عند أونفري مفهومًا منهجيًا وتأويليًا. إنه لا يعني مجرد الرفض، بل يعني إعادة ترتيب مركز الخريطة. فإذا كان تاريخ الفلسفة الرسمي قد اختار بعض الأسماء وأقصى أخرى، فإن مهمة المؤرخ الفلسفي تصبح البحث عن الأصوات التي اختفت خلف السردية الغالبة.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن أونفري يمارس نوعًا من الحفر التأويلي في ذاكرة الفلسفة. إنه لا يقرأ الماضي بوصفه متحفًا مغلقًا، بل باعتباره أرشيفًا قابلًا لإعادة الفتح. وما هو هامشي اليوم قد يصبح مركزيًا غدًا، وما يبدو مركزًا قد يكشف التأويل عن هشاشته.
ولعل هذا هو أحد أجمل أبعاد مشروعه: أن تاريخ الفلسفة ليس بريئًا. إنه تاريخ اختيارات، وانتقاءات، وإقصاءات، ومؤسسات، وسلطات معرفية. لذلك فإن إعادة قراءة التاريخ ليست مجرد عمل توثيقي، بل هي أيضًا ممارسة نقدية.
غير أن أونفري لا يقف عند الدين وتاريخ الفلسفة، بل يدخل إلى السياسة أيضًا. وفي هذا المجال تتخذ فلسفته طابعًا سجاليًا أكثر حدة. فهو ينظر بعين نقدية إلى السلطة، والمؤسسات، والأيديولوجيات، والجماعات التي تدعي امتلاك الحقيقة. والفيلسوف عنده لا ينبغي أن يتحول إلى موظف لدى السلطة، أيا كانت السلطة: دينية أو سياسية أو ثقافية.
وهنا تظهر قيمة مفهوم المقاومة في فلسفته. فالفلسفة ليست فقط بحثًا عن الحقيقة، بل هي أيضًا مقاومة للأكاذيب التي تتخفى في هيئة حقائق، ومقاومة للسلطات التي تريد تحويل الإنسان إلى تابع. إن وظيفة التفكير هي أن يستعيد الإنسان قدرته على الحكم، وأن يتعلم قول "لا" حين تصبح الموافقة شكلًا من أشكال العبودية.
غير أن أونفري، في المقابل، ليس فيلسوفًا يمكن وضعه بسهولة داخل خانة سياسية واحدة. وهذا ما يجعل قراءته أكثر تعقيدًا من بعض التصنيفات السريعة التي حاولت اختزاله في "اليسار" أو "اليمين". فمشروعه يظل مشدودًا إلى الفرد، وإلى الحرية، وإلى النقد الراديكالي للمؤسسات، وإلى رفض الوصاية الفكرية. وهذه العناصر لا تنسجم دائمًا مع التصنيفات السياسية التقليدية.
ومن هنا يمكن القول إن أونفري يمثل فلسفة المشاغبة الفكرية. إنه لا يريد أن يمنح القارئ راحة اليقين، بل يريد أن يدفعه إلى إعادة النظر. وقد تكون هذه المشاغبة مصدر قوة مشروعه ومصدر ضعفه في الوقت نفسه؛ فهي تمنحه قدرة كبيرة على تحريك الأسئلة، لكنها قد تدفعه أحيانًا إلى التعميم والسجال الحاد.
وهذه ملاحظة ضرورية في القراءة الأكاديمية. فليس من وظيفة الباحث أن يتحول إلى مريد للفيلسوف الذي يقرأه. إن أونفري يحتاج إلى أن يُقرأ معه وضده في آن واحد. ينبغي الاعتراف بجرأته في إعادة الاعتبار إلى الجسد والحياة، وبأهمية مشروعه في نشر الفلسفة خارج الجامعة، وبقدرته على استعادة تيارات فلسفية منسية؛ لكن ينبغي أيضًا مساءلة بعض تعميماته التاريخية والثقافية، وخاصة حين يتحول نقده إلى موقف سجالي يغلب عليه التعميم.
إن قيمة الفيلسوف لا تكمن في أن نتفق معه دائمًا، بل أحيانًا في أنه يجبرنا على أن نفكر أكثر. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن الدفاع عن أهمية أونفري: إنه فيلسوف يوقظ الفكر من سباته، حتى عندما يثير الاعتراض.
ولعل مفهوم الحياة هو المفهوم الذي يجمع شتات مشروعه كله. فالفلسفة عنده تعود في النهاية إلى سؤال الحياة: كيف نحيا؟ كيف نحب؟ كيف نرغب؟ كيف نتعامل مع الموت؟ كيف نتصالح مع أجسادنا؟ كيف نعيش دون أن نسلم حياتنا بالكامل للمؤسسات؟ وكيف نبني أخلاقًا لا تقوم على احتقار العالم؟
إن هذه الأسئلة تجعل أونفري، في العمق، فيلسوفًا للحياة اليومية بامتياز. فالفلسفة لا تُختبر في الكتب وحدها، وإنما في الطعام، والحب، والجسد، والمرض، والموت، والصداقة، والسياسة، والعمل، والوقت. وهذا ما يفسر انجذابه إلى أبيقور وسبينوزا ونيتشه، لأن هؤلاء جميعًا، رغم اختلافهم، حاولوا أن يعيدوا الفلسفة إلى مستوى الوجود المعيش.
ومن هنا يمكن أن نقرأ أونفري تأويليًا باعتباره صاحب مشروع يريد أن ينقل الفلسفة من سؤال الحقيقة المجردة إلى سؤال الحقيقة المعاشة. ليست القضية فقط: ما الحقيقة؟ بل: ماذا تفعل الحقيقة بنا؟ وهل تجعل حياتنا أكثر حرية؟ وهل تساعدنا على التخلص من الخوف؟ وهل تمنحنا القدرة على أن نعيش دون أن نتحول إلى عبيد للأوهام؟
وهذه النقلة هي التي تمنح فلسفته طابعها الهيرمينوطيقي، حتى وإن لم يكن أونفري فيلسوفًا هيرمينوطيقيًا بالمعنى المدرسي للكلمة. فالتأويل هنا لا يعني الانتماء إلى مدرسة بعينها، بل يعني الكشف عن الطبقات الخفية التي تنتظم بها علاقتنا بالحياة. الدين، والأخلاق، والسياسة، والجسد، والرغبة، والتاريخ، كلها نصوص ثقافية كبرى تحتاج إلى إعادة قراءة.
وفي هذا السياق يصبح الجسد نفسه نصًا. والرغبة نصًا. والموت نصًا. والدين نصًا. والسياسة نصًا. والفلسفة ليست سوى محاولة لإعادة قراءة هذه النصوص بحيث يستعيد الإنسان حقه في تأويل وجوده.
لذلك فإن أونفري لا يقول لنا ببساطة: "عِشْ من أجل المتعة"، بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يمكن أن تصبح حياتك ملكًا لك؟
وهنا تكمن أطروحته الأهم. فالتحرر الحقيقي لا يبدأ فقط من إسقاط سلطة خارجية، وإنما يبدأ من استعادة الإنسان لحقه في بناء علاقته الخاصة بذاته وبجسده وبزمنه وبالآخرين. ومن ثم فإن فلسفة أونفري، رغم طابعها الإلحادي والمادي والجدلي، تنتهي إلى سؤال أخلاقي عميق: ما الحياة التي تستحق أن تُعاش؟
إن أونفري فيلسوف لأنّه لا يكتفي بإعطاء أجوبة؛ بل يحاول أن يجعل من طريقة العيش نفسها موضوعًا للفلسفة. وهو فيلسوف معاصر لأن أسئلته تتقاطع مع قلق الإنسان الذي يعيش في عالم تتكاثر فيه وسائل المتعة بينما يتضاعف القلق، وتتسع فيه حرية الاختيار بينما تتسع معها أشكال جديدة من العبودية، وتتضخم فيه المعرفة بينما يتراجع أحيانًا معنى الحكمة.
ختاماً، يُمثّل ميشيل أونفراي جانباً من الفلسفة الفرنسية المعاصرة التي تسعى إلى إعادة البُعد الوجودي للفكر. فهو فيلسوف الأرض في مقابل السماء، والجسد في مقابل فنائه، والحياة في مقابل الزهد، والفرد في مقابل الأبوية، والفلسفة في مقابل تحوّلها إلى علمٍ مُغلق. لكن الدرس الأهم المستفاد من تجربته هو أن الفلسفة لا تستعيد حيويتها باستخدام لغة أكثر تعقيدًا، بل بإعادة التواصل مع الحياة. في نهاية المطاف، ليس الفيلسوف مجرد من يمتلك أكبر قدر من المعرفة، بل من يعرف كيف يجعل المعرفة أسلوبًا آخر للوجود.
لذا، سواء اتفقنا مع أونفراي أم لا، فإنه يطرح سؤالًا لا مفر للفلسفة منه: ماذا نفعل بحياتنا، ونحن نعلم أنها واحدة فقط؟
لعلّ هنا يكمن الفرق بين فلسفة تتحدث عن الإنسانية وفلسفة تسعى لمساعدة الإنسانية على عيش حياة كاملة.
***
بقلم: د. معروفي العيد
...............
الهوامش والمراجع:
الفيلسوف ميشال أونفري: ولد بـــ 1 يناير 1959 (العمر 67 سنة) أورن، فرنسا. ويعتبر ميشال أونفراي امتدادًا لفلاسفة ما بعد الحداثة في فرنسا وقد أسهم بصفة جديّة في الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة، وهو معروف بغزارة مؤلّفاته التي تُعدُّ بالعشرات. لم يبدأ الكتابة إلا أواخر الثمانينيات، لتتوالى الإصدارات بمعدل كتاب في العام على الأقلّ، فاستحقّ لقب أكثر الفلاسفة غزارةً وظهوراً في الإعلام. كان يحلم بأن يكون سائق قطار فإذا به من أبرز مفكري الجيل الجديد في فرنسا ومن وجوه «اليسار المعادي لليبرالية». بنى خطابه على فلسفة المتعة، وأعاد قراءة المعلّمين الكبار. يرى أونفراي أنّ الفلسفة فنّ للوجود وأنّ غايتها الوصول إلى السّعادة القصوى عبر المتع الحسيّة والفكريّة. وقد أعاد قراءة تاريخ الفلسفة تحت عنوان «تاريخ مضاد للفلسفة ** Contre-histoire de la philosophie». يحمل هذا الفيلسوف مشروعًا فكريًا تحرّريًا يطمح إلى إنزال الفلسفة من فضاء النخب الجامعيّة إلى الفضاء العمومي، وقد قام بتأسيس «الجامعة الشعبية» تحت شعار الفلسفة للجميع. هذه الجامعة أسّسها مع أصدقائه عام 2002، لتستقبل كل من يرغب بحضور صفوف في الفلسفة والفن والتاريخ مجاناً، ومن دون أي شروط كالشهادة أو حتى القدرة على القراءة والكتابة! النجاح الاستثنائي للجامعة الشعبية دفع إلى تكرار التجربة في مدن فرنسية أخرى. أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الفكريّة الفرنسيّة بسبب نقده اللّاذع لسيغموند فرويد ودعوته إلى تأسيس تحليل نفسي بعيدًا عن فرويد.
[1]: Michel Onfray, Théorie du corps amoureux: Pour une érotique solaire, Grasset, Paris, 2000.
[2] ميشال أونفري، نفي اللاهوت، ترجمة : مبارك العروسي، منشورات الجمل، بغداد ــــــــ العراق ـــــــ ط1 2012.
[3] فريدريك نيتشه، في جينالوجيا الأخلاق، ترجمة فتحي المسكيني، دار سيناترا، تونس؛ ط1 2010.








