عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: هل هناك حل لمشكلة الحظ الأخلاقي؟

مشكلة الحظ الأخلاقي moral luck تعني اننا نحتاج الى تغيير راديكالي في طريقة تفكيرنا في الاخلاق. الأحكام الأخلاقية في الغالب تتصادم مع مبدأ ان الناس لا يجب توجيه اللوم لهم الاّ لما يستطيعون التحكم فيه.

ما الدور الذي يجب ان يلعبه الحظ في أحكامنا الأخلاقية؟ بالنسبة لمعظم الناس، الجواب هو صفر. الحظ حسب التعريف، هو شيء لا نستطيع السيطرة عليه. من غير العدل لوم شخص ما لشيء ليس له سيطرة عليه. ان مشكلة الحظ الأخلاقي تكشف ان الأشياء التي لا نملك السيطرة عليها قد تكون اكثر انتشارا في تقييماتنا الأخلاقية مما هو في الاعتقاد الشائع. اذا كان هذا هو الحال، عندئذ فان المزيد من إداناتنا الأخلاقية هي ظالمة. في هذا المقال ننظر لنرى ان كان هذا صحيح.

الثناء واللوم الأخلاقيين

في ورقة هامة حول الحظ الأخلاقي، يلاحظ الفيلسوف الأمريكي توماس ناجل Thomas Nagel: ان "الغياب الواضح للسيطرة، الناتج عن حركة غير اختيارية، قوة مادية، او جهل في الظروف، يبرر ما يتم فعله من حكم أخلاقي".  عندما نأتي الى الثناء الأخلاقي او لوم شخص ما على أفعاله، يبدو من الصواب القول انه لا يجب ان يكون للحظ أي دور في ذلك. اذا ما نجح شخص ما في الحصول على شيء بسبب الحظ، فقد نتحفز بتهنئته والمشاركة في الاحتفال، لكننا لا نمدحه عادة لأفعاله. مثلا، افرض هناك صديق يشتري بطاقة يانصيب ويربح الجائزة. سنكون سعداء ومسرورين لكونه حالفه الحظ. لكن، نحن لا نستطيع حقا مدحه على الفوز. الفوز باليانصيب هو حظ خالص ولا مهارة فيه. اللاعبون لا يتحكمون بحظهم في الفوز. مثلما لا نستطيع لوم الناس على أفعال لا يتحكمون فيها، نحن لا نستطيع مدحهم أيضا.

افرض انا كنت جالسا بجانب باب مفتوح في مكتب مزدحم وهناك زميل يشكو من تدفق تيار هواء بارد. حينها أنحني وأغلق الباب. زميلي يشكرني. هذا يشكل مقدار صغير من المديح والتقدير لأنني اخترت عمل شيء رقيق. في هذه الظروف، انا كنت في سيطرة على أفعالي وأفعالي اعتُرف بها برد مناسب. الان، تصوّر دون علمي، هناك موظف سابق ساخط مسلح وخطير، يقف في الجانب الآخر من الباب. وعندما أغلقت الباب، ضربته في الوجه وفقد وعيه. هنا، كل شخص في المكتب يمكنه القول وبشكل مشروع انه لو لم أتصرف على ذلك النحو، لكانت هناك مأساة. لكن سيكون من السخف الثناء عليّ بسبب ضرب المتسلل المسلح. انا ليست لدي فكرة عما كنت أعمل ولذلك ليست لدي سيطرة على تلك الأحداث.

مشكلة الحظ الأخلاقي

كيف يدخل الحظ في أحكامنا الأخلاقية؟ دعونا نتصور اثنين من سائقي باص يبدأ ان شفت عملهما في محطة الحافلات على بعد 20 ميلا. سوف نسميهما السائق س والسائق ص. كلا السائقين يجب ان يجريا فحص السلامة للباص قبل مغادرة المحطة وبدء عملهما. هذه الفحوصات لم تكشف أبدا في السابق عن مشكلة. اليوم، كلا السائقين يعملان متأخران لبضعة دقائق وكلاهما اختار إهمال فحص السلامة (كما يفعل معظم السائقين عندما يتأخرون عن مغادرة المحطة).

بعد مضي 20 دقيقة من عمل السائق س، حدث شيء مرعب: أحد السابلة اندفع نحو الطريق دون النظر، وأجبر السائق س للضغط على البريك. لكن لسوء الحظ لم يعمل البريك بنجاح وترتبت على ذلك مأساة. التحقيقات تكشف ان السائق س لم ينفذ إجراءات فحص السلامة الاجبارية قبل الانطلاق، وهو ادين  بالقتل غير العمد. لكن ماذا عن السائق ص؟ السائق ص أيضا بدأ العمل بدون اجراء فحص السلامة على باصه. افرض سائق باص آخر رأى ص وأخبرهم – السائق ص لم يحصل له حادث، ودعونا نقول انه لم توجد هناك مشكلة مع البريك لديه. لكن هذا هو محض صدفة. اذا أخذنا الحظ بالاعتبار، يبدو ان ص مستحق اللوم أخلاقيا كما هو س. هل نشعر بالراحة مع السائق ص وهو يتلقى نفس اللوم والعقوبة كالسائق س؟ يبدو ان س قام بشيء اسوأ بكثير من ص، أي ان س شخص سيء أخلاقيا. مع ذلك، لا توجد هنا مشكلة في الحظ الأخلاقي لو اتّهمنا السائق س بالقتل غير العمد مع فصل هذا عن اللوم الأخلاقي.

هل الحظ الأخلاقي هو حقا مشكلة؟

افرض الان ان السائق ص هو سائق محترم ولديه سنين من الخبرة، وبعد نوبة عمله استُدعي الى مدير المكتب وطُرد من عمله لعدم قيامه بالإجراءات الضرورية لفحص السلامة. هنا، نستطيع تصور غضب الناس بسبب المعاملة السيئة. هم ربما يقولون ان السائق ص لم يفعل ما لم يقم به السائقون في ظروف مماثلة ولم يحدث بالنتيجة أي شيء سيء. وبدلا من ان يُطرد ويوصف كشخص سيء، هم يقولون ان السائق ص كان يجب ان يصدر له تحذير. لنقارن هذا بالناس الذين يجدون ان عضوا محترما في الجماعة دهسته سيارة وقُتل من جانب السائق س الذي فشل في عمل إجراءات السلامة قبل الانطلاق. سيكون هناك غضب لو هم علموا ان س اُعطي فقط توبيخ لفظي.

من السهل تصور ان ردود الفعل هذه قد تكون هي الحال اذا حدث أي من السيناريوهين في الحياة الواقعية. ونحن نستطيع ان نرى الحظ بلا شك يلعب دورا في مقدار اللوم الذي يتلقاه هؤلاء السواق لنفس الفشل (عدم تنفيذ إجراءات السلامة). هذا واضح خصيصا في الحالة الثانية. لا يجب ان يكون لحجم حب الضحية أي دور في الحكم الأخلاقي على السائق. لكي نرى هذا، تصوّر سيناريو مختلف يُقتل فيه شخص على الطريق تبيّن انه قاتل يستعد للهجوم على ضحية جديدة. وبينما السائق س لا يمكن ان يُمدح عقلانيا لإنقاذ الضحية المحتملة، لكن العديد سيكونون غاضبين لو عوقب س واتُّهم بكونه سيئا أخلاقيا. في كل هذه السناريوهات نحن نتحدث عن ردود فعل عاطفية على حدوث أشياء سيئة وليس تفكير منطقي في هذا الموضوع. في هذه الحالة، نحن نسأل ان كان الحظ الأخلاقي حقا مشكلة.

المشكلة الأخلاقية يصعب حلها

اذا كان الأذى، في حالات الحظ الأخلاقي، هو في الحقيقة لوم واستياء يبرز من ردود فعل عاطفية للضحايا والجناة بما يحجب الدور الحاسم الذي يلعبه الحظ في حالات معينة، عندئذ المشكلة لا تكمن في الحظ الأخلاقي وانما في العواطف الإنسانية. ان الحل للمشكلة هو التركيز على الاستجابة العاطفية وليس على الحظ الأخلاقي. بكلمة أخرى، لا توجد مشكلة تتعلق بالحظ الأخلاقي بحد ذاته وانما في حاجتنا العاطفية للوم الناس على افعالهم. الفيلسوف برينمور براون Brynmore Browne تبنّى هذا الرد للمشكلة في مقاله عام 1992 بعنوان "حل لمشكلة الحظ الاخلاقي".

ربما يُعتقد ان سيناريوهات مثل سائق الباص الأول نادرة جدا وصُممت لتكون مفيدة. او ان المشكلة كانت مُبالغ فيها. أي ان المثال صُمم بعناية لجعل السائق س مسؤول أخلاقيا بشكل طفيف عن موت الشخص السابل، واللوم الأخلاقي الذي يتلقاه في المثال أكبر بكثير مما يحصل في الحياة الواقعية. لكن كما سنرى، مشكلة الحظ الأخلاقي سوف لن تختفي بسهولة.

أربعة أنواع مختلفة للحظ

في مقاله عام 1976 حول الحظ الأخلاقي، يحدد توماس ناجل أربعة أنواع مختلفة للحظ ملائمة للنقاش. هذه الانواع هي الحظ التكويني (فطري) والحظ الظرفي والحظ العواقبي والحظ السببي. لننظر في كل واحد من هذه الحظوظ وكيف تتلائم مع مشكلة الحظ .

الحظ التكويني constitutive luck يتعلق بهويتك وكيف أصبحت على ما انت فيه. هذا مشابه نوعا ما الى الحظ الظرفي circumstantial luck الذي يتعلق بالموقف الذي انتهى بك الامر اليه. لكي نرى الاختلاف، افرض هناك سائق ج تربّى على احترام جميع القواعد بدقة بحيث لا يمكن تصور عدم التزامه بفحص السلامة قبل بدء عمله. طبقا لذلك، هو لا يمكن ابدا ان يجد نفسه في المواقف التي وقع فيها السائقين س و ص. لايزال، هناك شيء خارج السيطرة. هم لم يختاروا الطريقة حول القواعد. في هذا الموقف نحن نستطيع أيضا القول ان س و ص كانا غير محظوظين لأنهما لم يتربيا بنفس طريقة تربية ج. عندما ننظر للظروف نستطيع ان نرى اذا لم تكن هناك إجراءات سلامة اجبارية، عندئذ سوف لن يُعتبر السائق س سيء أخلاقيا، لأن بعد الحادث، أصبحت إجراءات السلامة الزامية بسبب هذا الحادث، س لايزال لا يواجه لوما أخلاقيا. الحظ العواقبي يتعلق بما حدث حقا في السيناريو. النتيجة للسائق س كانت مأساوية ولكن ليس للسائق ص، وفي هذه الطريقة، ص حصل على حظ. الحظ السببي يستلزم سلسلة من الاحداث حدثت تقود للفعل وما يعقبه.

في حالات الحظ الأخلاقي، يبدو من غير الانصاف وضع كل اللوم الأخلاقي على الشخص الذي هو آخِر حلقة في سلسلة طويلة من الأسباب والنتائج. افرض في سيناريو سائق الباص، السائق س كان متأخرا في بدء عمله لأن مشرفه كان غير كفؤ وتسبب في تأخير غير مبرر في تحديد المسارات. افرض ان السائق ص تأخر بسبب اضطراب في المعدة نتيجة تناول قطعة من الكيك جلبها شخص دون عناية بنظافة الطعام. ربما شركة الباصات لديها هذه الثقافة في التنمر الإداري أخافت السائقين س و ص من بدء عملهما متأخرين. هنا، نحن نرى أنواع متعددة ودرجات من الفشل الأخلاقي، لكن مع كل اللوم الأخلاقي الذي وُضع على السائقين. عندما نأخذ كل أنواع الحظ الأخلاقي في الاعتبار، فان نسبة العدل ولوم معقول في كل الحالات الأخلاقية يبدو معقدا. كيف نعرف كل التفاصيل الملائمة التي نحتاج أخذها بالاعتبار في الحظ التكويني، والظرفي، والعواقبي، والسببي؟

هل هناك حل لمشكلة الحظ الأخلاقي؟

أحد الحلول للمشكلة، إقتُرح سلفا، هو ان نغير الطريقة التي نستجيب بها للناس الذين يعملون أشياءً سيئة أخلاقيا. الصعوبة في الحالات التي كنا نناقشها تنتج من القاء اللوم بدلا من الحكم على شيء ليكون خاطيء أخلاقيا. هل من الممكن الحكم أخلاقيا بدون إلقاء اللوم؟ العواطف تلعب دورا قويا في الحكم الأخلاقي، عادة تتجاوز الردود المنطقية والمعقولة. لكن عدة عوامل مختلفة تشترك عندما نأتي لحالات الحظ الأخلاقي التي تكون فيها الردود المنطقية جدا امر مستحيل. ربما أيضا غير مرغوبة. تصوّر موقف فيه سائق لم يعمل أي شيء خاطئ لكنه تورط في حادث مميت. اذا كان السائق ألقى باللوم على نفسه وعذبها، نحن سنقول له ان ذلك ليس عيبه وهو غير مُلام تماما. لكن، هناك ستكون عدم راحة وإرباك لو لم يشعر السائق  بذنب على الاطلاق. الشعور بالذنب في هذا الموقف هو غير عقلاني لكنه أيضا رد انساني . أي، من الطبيعي ان يلوم المرء نفسه حتى لو لم يكن هناك ما يمكن فعله. لكن من الإنسانية أيضا ان تلوم الاخرين عندما تحدث أشياء سيئة. ربما الحظ الاخلاقي هو ببساطة مظهر لإنسانيتنا يجب قبوله.

لحل مشكلة الحظ الأخلاقي، بينما لانزال نستجيب عاطفيا لمشكلة اخلاقية، نحن سنحتاج لتغيير راديكالي في استجاباتنا العاطفية للناس والافعال التي اعتُبرت سيئة أخلاقيا. بيرمور براون اقترح في مقاله عام 1992 اننا يجب ان نكون اكثر محبة في ردود افعالنا الأخلاقية تجاه الاخرين. هذا الحل يبدو واعدا لأننا لانزال نستطيع التفكير والتصرف عاطفيا، لكن بدون خلق اذى آخر عبر لوم الاخرين على أشياء لا سيطرة لهم عليها. مع ذلك، هذا أيضا يبدو مثل تغيير راديكالي جدا في سلوك الانسان ولا يُحتمل ان يحدث في أي وقت قريب.

***

حاتم حميد محسن

.......................

The collector, May 31,2026