أقلام ثقافية
عماد خالد رحمة: نونُ النسوة بين دلالةِ الجمع وبنيةِ العلامة
قراءةٌ لغويةٌ في علّة الفتح عند النحاة واللغويين
إنّ اللغة العربية لم تكن عند أئمة النحو مجرّدَ أصواتٍ تتعاقب في الكلام، بل كانت نظاماً عقليّاً بالغَ الدقّة، تتحرّك فيه الحركاتُ والسكنات وفق عللٍ صوتيةٍ وصرفيةٍ ودلاليةٍ عميقة. ومن هنا لم يكن فتحُ «نون النسوة» في نحو: يكتبنَ وتكتبنَ أمراً اعتباطياً أو خاضعاً للمصادفة الصوتية، بل جاء نتيجةَ انتظامٍ داخليّ في البنية العربية، حيث تتضافر الدلالةُ مع الإيقاع، والصرفُ مع الوظيفة النحوية، في نسقٍ يكشف عبقرية اللسان العربي.
فنقول: النساءُ يكتبنَ، وأنتنَّ تكتبنَ، فنجد النون مفتوحةً دائماً، بخلاف كثيرٍ من النونات التي تتلوّن حركاتُها بحسب الموقع الإعرابي. وهنا وقف النحاة متأمّلين: لماذا فُتحت هذه النون؟ وما سرّ ثباتها على الفتح؟
لقد رأى نحاةُ البصرة، وفي مقدّمتهم سيبويه، أنّ نون النسوة ضميرٌ متصل مبنيّ في محل رفع فاعل، وليست حرفاً زائداً أو علامةً صرفيةً مجرّدة. فهي تدلّ على جماعة الإناث دلالةً ذاتيةً مستقلّة، ولذلك اكتسبت قوةَ الاسم والضمير معاً. وقد علّل البصريون فتحَها بخفّة الفتحة وموافقتها لطبيعة البناء في الضمائر المتصلة، ولا سيما أنّ الفعل معها يُبنى على السكون، نحو: كتبْنَ، فكان فتحُ النون تعويضاً صوتياً يمنع التقاء الساكنين، ويُحدث انسجاماً موسيقياً في البنية اللفظية.
أمّا نحاةُ الكوفة، وفي طليعتهم الفراء والكسائي، فقد مالوا إلى التوسّع في تفسير الظاهرة، وربطوا بين نون النسوة ونون الجمع في جمع المذكّر السالم، نحو: المؤمنون والمجتهدين. فالنون في البابين تؤدّي وظيفةً دلاليةً مشتركة، هي الإشارة إلى الجمع، وإن اختلفت طبيعة العلامة بين الضمير والحرف. ولذلك رأى بعضهم أنّ فتح نون النسوة جاء لمشابهتها نونَ الجمع في الوظيفة الدلالية، فكأنّ العربية حافظت على وحدة الإيقاع الصرفي في علامات الجمع، فجاءت النون مفتوحةً في الموضعين، تحقيقاً لنوعٍ من التناسب الصوتي والدلالي.
غير أنّ الفرق الجوهري بين النونين ظلّ قائماً في نظر النحاة. فنون النسوة عندهم ضميرٌ حقيقيّ، قائم بذاته، يدلّ على الفاعلات، ولذلك تُعرب في محل رفع فاعل، نحو: الطالباتُ نجحنَ. أمّا نون جمع المذكّر السالم، فليست ضميراً، بل حرفٌ جيء به عوضاً عن التنوين في الاسم المفرد. يقول النحاة: إنّ أصل مسلمون هو مسلمٌ، فلمّا جُمع حُذِف التنوين وعُوِّض عنه بالنون، فصارت النون علامةً صرفيةً لا ضميراً دالاً على ذاتٍ عاقلة.
وهنا تتجلّى دقّة العقل اللغوي العربي؛ إذ فرّق بين النون التي تحمل معنى الذات والجماعة معاً، والنون التي تؤدي وظيفةً صرفيةً خالصة. ولذلك كانت نون النسوة أقرب إلى الكينونة النحوية الحيّة، بينما بقيت نون جمع المذكّر السالم علامةً بنيويةً مرتبطةً بميزان الكلمة.
وقد توسّع فقهاء اللغة، كابن جني وابن هشام الأنصاري، في بيان العلاقة بين الصوت والمعنى، فرأوا أنّ الحركات ليست مجرد زينةٍ لفظية، بل تحمل أبعاداً إيحائية. فالفتحة عند العرب أخفّ الحركات وأوسعها مخرجاً، ولذلك ناسبت معنى الامتداد والجمع والانفتاح، بخلاف الكسرة التي توحي بالانقباض، أو الضمة التي توحي بالاستدارة والانغلاق النسبي. ومن هنا أمكن القول إنّ فتح نون النسوة يحمل بعداً صوتياً منسجماً مع معنى الجماعة والامتداد البشري في الخطاب.
إنّ هذه الظاهرة الصغيرة في ظاهرها تكشف عظمة العربية في عمقها؛ إذ لا توجد حركةٌ فيها بلا علّة، ولا بنيةٌ بلا حكمة. فاللغة العربية ليست تجميعاً آلياً للألفاظ، بل نظامٌ فلسفيّ دقيق، تتعانق فيه الأصوات والدلالات والتراكيب في هندسةٍ عقليةٍ مدهشة. ولذلك كان النحاة الأوائل لا ينظرون إلى الحرف بوصفه شكلاً جامداً، بل باعتباره كائناً لغوياً حيّاً، يحمل وظيفةً ودلالةً وإيقاعاً.
وهكذا تبقى نون النسوة شاهداً على عبقرية العربية، حيث تتحوّل حركةٌ صغيرة كالفَتحة إلى بابٍ واسعٍ من التأمل في فلسفة اللغة، وعلاقة البنية بالصوت، والدلالة بالوظيفة، في لسانٍ استطاع أن يجعل من أدقّ التفاصيل عالماً قائماً بذاته.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







