أقلام ثقافية

صباح بشير: في الشّتاء والدّفء المستتر

حين تدنو خطى الشّتاء، وتخلع السّماء وقارها الأزرق؛ لتكتسي برداء من الغيم المكتنز بالوعود، يولد في قلبي شعورٌ عتيق، يشبه حنين المسافر لبوصلته الضّائعة، فالشّتاء هو طقسٌ روحيّ، وحالة من الاسترجاع الوجدانيّ، تعيد ترتيب شتات النّفس أمام صرير الرّيح وجبروت المطر.

تأمّلوا معي ذلك المشهد؛ حيث يتواطأ العالم الخارجيّ في ثورةٍ عارمة من الصّقيع، وتئنّ الرّياح خلف النّوافذ، وتلوذ أنت بملاذك الآمن.

هناك.. في تلك الزّاوية الدّافئة، حيث ينسج الضّوء الخافت خيوطا من السّكينة، تشعر بأنّك في قلب الوجود وحصنه المنيع. هي لحظة التباين الوجوديّ الفاتنة؛ فكلّما ازداد الخارج قسوة، زاد في الدّاخل منسوب الطّمأنينة، وكأنّ البرد مرآةٌ نصقل بها معنى الأمان.

إنّ لصوت المطر حين يقرع زجاج النّوافذ إيقاعا فريدا؛ فهو الضّجيج الورديّ الّذي يغسل ضوضاء الأفكار، ويهدّئ من روع العقل القلق، هو لغة كونيّة تخاطب فينا غريزة الاستقرار، وتعيدنا إلى الرّحم الأوّل حيث الدّفء المطلق والسّكينة الّتي لا يقطعها صخب.

بالنّسبة لي، في هطول المطر نوع من العزلة الاختياريّة المقدّسة؛ فهو العذر الّذي تمنحنا إيّاه الطّبيعة لنكفّ عن الرّكض خلف ترهات الحياة، لنجلس وجها لوجه أمام ذواتنا، محاطين بدثارٍ من الصّوف وفنجان من الألفة.

هذا العشق هو احتفاءٌ بمفهوم اللّحظة الصّغيرة، إذ يُستخرَج الجمال من سكون المنزل وعطر الشّتاء المعتّق.

إنّك حين تعشق الدّفء المنزليّ وسط عواصف الخارج، تمارس طقسا من طقوس الاستشفاء، حيث يصبح البيت وطنا صغيرا، وتصبح الحرارة المنبعثة من زواياه صلاةً صامتة في محراب الهدوء.

يا له من ترفٍ باذخ، أن تكون في قلب العاصفة وتكتفي بعذوبة صوتها، هو انتصار صامت للإنسان على الطّبيعة، والحوار الأجمل بين قلب يبحث عن السّلم، وفصل يضجّ بالصّخب، فالشّتاء هو الموسم الّذي تنبت فيه الأرواح في الدّاخل، حين تجفّ الأشجار في الخارج، ليبقى المنزل هو القصيدة الّتي لا تنتهي قوافيها.

في هذه اللّحظات الّتي يهطل فيها المطر بغزارة، تصبح الكتابة عندي فعلا شبيها بالصّلاة؛ فمع كلّ قطرة تقرع زجاجي، تولد فكرة كانت غافية في أعماقي. هذا الدّفء المحفوف بزمهرير الخارج يصهر الجليد عن لسان قلمي، فأجد حروفي تنساب بسلاسة، وكأنّ الرّيح في عصفها تكنس غبار التّشتّت عن عقلي، تاركةً لي صفاءً ذهنيّا خالصا. وفي عقر سكينتي، تتحوّل الورقة البيضاء إلى ميدانٍ لترميم ذاتي، وتغدو الأبجديّة وسيلتي الأرقى لتجسيد ذلك الإحساس الّذي أشعر به، فأكتب ما تفيض به روحي من صدق الشّعور والرّؤية.

هذه المتعة الّتي تنتابني وأنا أخطّ كلماتي في كنف هذا الطّقس الجميل تفوق الوصف؛ فهي مزيج من شعور المنتصر الّذي استأنس بالوحدة، والمبدع الّذي وجد في صخب العاصفة إيقاعا لقصيدته.

الكتابة في حضرة الشّتاء هي خلقٌ من نوع آخر ، حيث تتنفّس الأفكار تحت الغطاء الصّوفيّ، وتنمو الصّور البيانيّة كما تنمو الأزهار في الرّبيع؛ فأتوحّد مع قلمي لأخلّد هذه الدّهشة الحسيّة، جاعلةً من المطر ملهما أبديّا لي، وقدرةً خاصّة لاستحضار الجمال من قسوة الشّتاء، فأستبدل صوت الرّيح بترانيم القلم.

بذات الرّوح الّتي تستشعر الأمان خلف الجدران وتسكب الحروف حرارةً في ليل البرد، نرسل الأماني عاليا؛ لعلّها تلامس أطراف تلك الخيام الباردة، حاملة معها أصدق الرّجاء بالسّكينة والسّلام.

ليت هذا المطر الّذي يطرق الوجود يتحوّل إلى غيثٍ يغسل الأوجاع، ويمرّ سلاما رقيقا على الأجساد المتعبة، ليبعث فيها دفئا معنويّا لا تملكه المدافئ، ويمنح الأرواح أمانا عصيّا لا تهزّه الرّيح مهما عصفت.

هي دعوةٌ لأن يشرق النّور في تلك الزّوايا المنسية، ولأن تظلّ خيوط الأمل دثارا لا يبلّله الصّقيع، وسياجا يحمي الأحلام من قسوة الشّتاء.

***

صباح بشير

 

في المثقف اليوم